الرئيسيةمحلياتتراجع «لمة الطعام» بين أفراد الأسرة...
محليات

تراجع «لمة الطعام» بين أفراد الأسرة بين هيمنة التكنولوجيا وضغوط الحياة

30/05/2026 23:01

لم تعد المائدة الأسرية هي الفضاء الذي يلتقي فيه القلب قبل الجسد، ولا تُنسج من حولها أحاديث الذكريات اليومية كما كان في السابق. في كثير من المنازل تحولت إلى مشهد صامت يجتمع فيه أفراد الأسرة حضورًا شكليًا فقط، بينما تتباعد اهتماماتهم خلف شاشات الهواتف الذكية.

أسباب الظاهرة وفق دراسة جامعية

أظهر بحث نوعي أعده الدكتور رامي عبد الحميد الجبور، أستاذ مشارك في علم الاجتماع بجامعة الفجيرة، تراجعًا واضحًا في «لمة الطعام» نتيجة تداخل عدة عوامل. تصدرت هيمنة التكنولوجيا، وضغوط العمل، وتسارع إيقاع الحياة اليومية قائمة الأسباب، إلى جانب تحولات سريعة في أنماط الاستهلاك الغذائي.

تشير النتائج إلى أن المائدة فقدت كثيرًا من دورها التقليدي كمنصة للحوار، وأصبحت تمثّل ما يمكن وصفه بـ«الحضور الغائب»: يجتمع أفراد الأسرة حول الطعام، لكن كلًّا منهم منغمس في عالمه الرقمي، ما يقلل فرص التفاعل المباشر ويضعف روابط القرب الإنساني داخل المنزل.

تفكك الزمن الأسري المشترك

كشفت الدراسة أن تضارب الجداول اليومية، لا سيما مع أنماط العمل المتغيرة ونظام المناوبات، أسهم في تفكك «الزمن الأسري المشترك». أصبح من النادر أن يجتمع جميع أفراد الأسرة على وجبة واحدة، ما أدى إلى فقدان المائدة تدريجيًا لوظيفتها الاجتماعية.

تحول تناول الطعام إلى نشاط سريع تحكمه اعتبارات الوقت والكفاءة، بعيدًا عن قيم المشاركة والتفاعل. كما لاحظ الباحثون تنامي ظاهرة «الفردانية الغذائية» التي تدعمها تطبيقات توصيل الطعام، حيث يختار كل فرد وجبته بصورة مستقلة، ما يعكس تراجع مفهوم «المائدة الجامعة» وصعود أنماط الأكل الفردي على حساب روح الجماعة.

وجهات نظر دينية ونفسية حول «لمة الطعام»

أكد فضيلة الشيخ الدكتور سالم الدوبي، مدير إدارة التوجيه الديني بدائرة الشؤون الإسلامية في الشارقة، أن الاجتماع على الطعام في الإسلام يتجاوز تلبية الحاجة البيولوجية، فهو يحمل أبعادًا تربوية واجتماعية عميقة. أشار إلى أن السنة النبوية حثت على الاجتماع لما فيه من بركة وتعزيز للألفة بين القلوب، وأن المائدة تمثل مساحة يومية لترسيخ قيم التراحم والضيافة وتعزيز التواصل.

من جانبه، أوضح الدكتور أحمد سعيد، استشاري نفسي ومرشد تربوي، أن الجلوس الأسري على المائدة يشكّل بيئة طبيعية لفهم سلوك الأبناء وبناء شخصياتهم. يتيح الحوار خلال الوجبات فرصة لاحتواء الطفل والتعرّف على احتياجاته النفسية، مما يعزز شعوره بالأمان والاستقرار. وأضاف أن التعامل مع سلوكيات الأطفال يتطلب تكاملاً بين الأسرة والمدرسة، وأن التقنيات الحديثة، بما فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يمكن أن تُسهم في تحليل السلوك لكنها لا تحل محل التفاعل الإنساني المباشر، خاصة في لحظات المائدة.

آراء من الواقع ودعوات لإعادة الاعتبار للمائدة

شددت ولية الأمر علياء بسام جبان على ضرورة تخصيص وقت يومي للاجتماع مع الأبناء على المائدة، معتبرة ذلك أمرًا تربويًا لا خيارًا. أكدت أهمية استثمار هذه اللحظات في الحوار ومتابعة احتياجات الأطفال.

وعبر الطفل عبدالهادي وسيم المصري عن تقديره لهذه الجلسات، مشيرًا إلى أن حرص أسرته على الاجتماع اليومي يمنحه مساحة للتعبير عن أفكاره وفهم متطلباته الدراسية والحياتية، واعتبر هذا الوقت «ضروريًا ومهمًا» في حياته اليومية.

دعت الدراسة إلى إعادة الاعتبار للمائدة الأسرية عبر تخصيص أوقات منتظمة للاجتماع بعيدًا عن الهواتف الذكية، وتعزيز ثقافة «التوازن الرقمي» داخل الأسرة. وأشارت إلى أن توظيف تطبيقات توصيل الطعام يجب أن يكون وسيلة داعمة للتجمع لا بديلاً عنه. وأكدت أن استعادة «لمة الطعام» تمثّل خطوة أساسية نحو تعزيز التماسك الأسري وإحياء مساحات الحوار داخل البيت في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية وتزداد الحاجة إلى روابط إنسانية أكثر دفئًا واستقرارًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *