في دورته الثالثة.. مؤتمر استشراف مستقبل التدقيق الحكومي ينطلق بدبي

دبي في 29 أكتوبر 2026: افتتحت اليوم الخميس في دبي فعاليات النسخة الثالثة من مؤتمر “استشراف مستقبل التدقيق الحكومي”، الذي ينظمه جهاز الرقابة المالية تحت شعار “الرقابة الذكية”، وذلك بقاعة الجوهرة في مدينة جميرا. ويجمع المؤتمر نخبة من القيادات والخبراء والمتخصصين في مجالات التدقيق والرقابة والحوكمة والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، بهدف مناقشة التحولات التي تعيد تشكيل مستقبل العمل الرقابي، وعرض أحدث التوجهات والتطبيقات التي تسهم في تعزيز فعالية منظومة التدقيق والرقابة وجاهزيتها لمتطلبات المستقبل.
الرقابة في عصر التحول الرقمي
يسلط المؤتمر الضوء على مرحلة جديدة من تطور العمل الرقابي، حيث تتسع مسؤوليات التدقيق لتشمل تقييم المخاطر المرتبطة بالتقنيات الناشئة، وحوكمة أنظمة الذكاء الاصطناعي، والتحقق من موثوقية البيانات والقرارات الرقمية، إلى جانب توظيف التقنيات المتقدمة في رفع كفاءة عمليات التدقيق وتعزيز قدرتها على اكتشاف المخاطر وتحليلها. ويقدم المؤتمر من خلال جلساته المتخصصة رؤى وتجارب عملية تربط بين الابتكار التكنولوجي ومتطلبات الحوكمة والمساءلة، وتستعرض المهارات والأدوات التي يحتاجها المدققون لمواكبة التحولات المتسارعة في بيئة العمل الحكومي.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد سعادة عبدالرحمن الحارب، مدير عام جهاز الرقابة المالية، أن التحولات المتسارعة في العمل الحكومي تتطلب تطوير منظومة رقابية قادرة على مواكبة الابتكار وتعزيز كفاءة إدارة الموارد وحماية المال العام. وأشار إلى أهمية الاستفادة من التقنيات المتقدمة والذكاء الاصطناعي في تطوير الممارسات الرقابية، مع الحفاظ على مبادئ الحوكمة والاستقلالية والمساءلة.
وقال سعادته: “كلما تقدمت دبي في توظيف التقنيات المتقدمة وتوسيع نطاق خدماتها الرقمية، ازدادت الحاجة إلى رقابة تواكب هذا التقدم؛ رقابة تدعم سرعة الإنجاز دون التفريط في الانضباط، وتشجع الابتكار دون التهاون في إدارة المخاطر، وتعزز الثقة من خلال الوضوح والمساءلة. وفي مدينة بحجم طموحات دبي، حيث تتسارع المشاريع وتتطور نماذج العمل والشراكات، لا يكفي أن نراجع سلامة الإنفاق بمعزل عن أثره، بل تبرز أهمية فهم العلاقة بين الموارد والأهداف والنتائج، والتحقق من كفاءة استخدامها، وتقييم المخاطر التي قد تؤثر في تحقيق الأولويات الحكومية”.
وأضاف: “إن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي يقتضي حوكمة واضحة، وضوابط قابلة للاختبار، وحماية للبيانات، ومراجعة بشرية فاعلة، لا تكتفي بتلقي النتائج، بل تستطيع التثبت من صحتها وتفسيرها. ومن المهم أن نتذكر أن التقنية، مهما بلغت قدرتها، لا يمكنها أن تحل محل النزاهة، أو الرأي المهني المستقل، أو المسؤولية التي تقع على عاتق الفرد والمؤسسة. فهدفنا ليس أن يحل الذكاء الاصطناعي محل المدقق، وإنما أن يمنحه قدرة أكبر على الرؤية والتحليل واتخاذ القرار المهني الصحيح في الوقت المناسب”.
جلسات رئيسية حول الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني
شهد البرنامج الرئيسي للمؤتمر مشاركة سعادة الدكتور محمد حمد الكويتي، رئيس الأمن السيبراني لحكومة دولة الإمارات ورئيس المجموعة الإقليمية العربية للجنة الدراسات الـ17 بقطاع تقييس الاتصالات في الاتحاد الدولي للاتصالات، في كلمة رئيسية بعنوان “الرقابة المالية السيبرانية في عصر الذكاء الاصطناعي”. واستعرض فيها تجربة دولة الإمارات في بناء منظومة وطنية للأمن السيبراني في مواجهة التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، من تطور التهديدات إلى التقنيات التي تعيد تشكيل المشهد. وتطرقت الجلسة إلى الرقابة المالية السيبرانية بوصفها خط الدفاع الذي يحفظ الثقة في النظام المالي، وكيف يغير الذكاء الاصطناعي أساليبها وأدواتها، فيمنح الجهات الرقابية قدرة أكبر على الرصد المبكر، ويفرض في الوقت نفسه مخاطر جديدة تستدعي حوكمة أوضح. وأكدت الجلسة أن حماية النظام المالي في هذا العصر لا تقوم على الأدوات وحدها، بل على جاهزية جماعية تتعاون فيها الجهات قبل وقوع الحوادث، وتصبح فيها المرونة السيبرانية ممارسة يومية.
كما قدمت دومينيك فينسينتي، عضو مجلس الإدارة ورئيس لجنة التدقيق في شركة “Loft Orbital”، كلمة رئيسية بعنوان “التدقيق الداخلي في عصر الذكاء الاصطناعي”، تناولت خلالها دور الذكاء الاصطناعي في تطوير ممارسات التدقيق الداخلي، واستعرضت مجموعة من التطبيقات العملية لهذه التقنية المتقدمة، وما توفره من فرص لتعزيز كفاءة عمليات التدقيق والارتقاء بجودة مخرجاتها. وأكدت أهمية توظيف الحكم المهني السليم عند استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في أعمال التدقيق، مشددة على ضرورة أن يكون المدقق قادراً على دعم استنتاجاته بأدلة واضحة وقابلة للتفسير والتحقق وإعادة الاختبار، بما يضمن موثوقية نتائج التدقيق ومصداقيتها.
جلسات متخصصة وورش عمل تطبيقية
تضمنت أعمال المؤتمر تسع جلسات متخصصة فرعية تناولت مجموعة من القضايا المحورية المرتبطة بمستقبل الرقابة والتدقيق. ففي جلسة “مخاطر وحوكمة التقنيات الناشئة”، استعرض سلطان العويس، نائب الرئيس التنفيذي لشركة “OMA Emirates”، أهمية تطوير الأطر المؤسسية لحوكمة الذكاء الاصطناعي، وإدارة المخاطر المرتبطة بتطبيقاته، وتعزيز الشفافية والمساءلة في بيئات العمل الرقمية.
وفي جلسة بعنوان “الذكاء الاصطناعي ومستقبل خدمات التأكيد: تحديث التدقيق الداخلي في عصر الحكومة الرقمية”، ناقش مارك توماس، رئيس “إسكوت للاستشارات” وأحد المكرمين ضمن قاعة مشاهير جمعية “ISACA”، دور الذكاء الاصطناعي في تطوير منهجيات التدقيق الداخلي، والانتقال نحو ممارسات أكثر استمرارية واستناداً إلى البيانات، مع الحفاظ على استقلالية المدقق والحكم المهني.
وتناول رامسيس جاليغو، الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا – الأمن السيبراني في شركة “DXC Technology”، في جلسة “تدقيق الذكاء الاصطناعي: من المخاطر إلى الثقة”، أهمية بناء أطر رقابية تضمن الاستخدام المسؤول والموثوق لأنظمة الذكاء الاصطناعي، وتعالج التحديات المتعلقة بالتحيز والشفافية والعدالة وحوكمة البيانات.
وامتد البرنامج إلى مناقشة التطورات التشريعية والمهنية المؤثرة في بيئة الأعمال والعمل الرقابي، من خلال جلسة قدمها رضا حمزاوي، خبير أول في السياسات الضريبية لدى الهيئة الاتحادية للضرائب، حول “التشريعات الضريبية وتأثيرها على الشركات الخاصة بالدولة”، استعرض فيها أبرز متطلبات النظام الضريبي وتطبيقاته العملية وانعكاساته على الشركات.
وفي محور تطوير الممارسات المهنية، تناول عبدالقادر عبيد علي، مستشار مجلس إدارة جمعية المدققين الداخليين في دولة الإمارات العربية المتحدة، موضوع “التخطيط الاستراتيجي والابتكار في التدقيق الداخلي”، مسلطاً الضوء على أهمية تعزيز الدور الاستراتيجي للتدقيق الداخلي، والاستفادة من البيانات والتكنولوجيا في دعم الحوكمة واتخاذ القرارات.
كما استعرض أسامة عباس، الرئيس التنفيذي للتدقيق الداخلي في “Mal”، خلال جلسة “الذكاء الاصطناعي في التدقيق الداخلي: حالات عملية”، نماذج تطبيقية لتوظيف الذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل عمليات التدقيق، بما يشمل التخطيط واختبار الضوابط وتحليل المخاطر ومراجعة النتائج، إلى جانب متطلبات الحوكمة والإشراف البشري والاستخدام المسؤول لهذه التقنيات.
وتناول المؤتمر كذلك التوجهات المستقبلية لمهنة التدقيق في القطاع العام، من خلال جلسة بعنوان “نحو عصر جديد للتدقيق الداخلي في القطاع العام”، يقدمها مايكل فوسيلي، الأستاذ الجامعي غير المتفرغ في جامعة “Pace University”، مستعرضاً دور الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في تطوير فاعلية التدقيق، مع مراعاة متطلبات الشفافية والخصوصية والأمن السيبراني والحكم المهني.
وفي إطار تعزيز الحوكمة المؤسسية للتقنيات المتقدمة، قدم الدكتور سيد أحمد بن روان، ممثل الولايات المتحدة لدى المنظمة الدولية للتقييس “ISO” في أعمال معيار “ISO 42001″، ورشة عمل تطبيقية بعنوان “الاستعداد لتطبيق معيار ISO 42001″، تناولت متطلبات حوكمة أنظمة الذكاء الاصطناعي وإدارة المخاطر والمساءلة، والخطوات العملية لتعزيز جاهزية المدققين ومسؤولي الامتثال لتطبيق المعيار.
وخصص المؤتمر جلسة لعرض تجربة جهاز الرقابة المالية في تطوير قدراته في مجال علم البيانات، تحت عنوان “رحلة جهاز الرقابة المالية مع علم البيانات”، قدمها أسامة أقسيم وسعادة أبوسعادة، من فريق علم البيانات في الجهاز، حيث استعرضا مراحل تطوير استخدام البيانات والتحليلات في عمليات التدقيق، وبناء قدرات الفرق الرقابية، وتوظيف التحليلات المتقدمة والذكاء الاصطناعي في تحديد مجالات المخاطر ودعم القرارات المهنية.
منصة لتبادل الخبرات المهنية
تعكس موضوعات المؤتمر اتساع نطاق التحولات التي يشهدها قطاع التدقيق والرقابة، والحاجة إلى تكامل الخبرات الرقابية والتقنية والتشريعية، بما يضمن مواكبة الابتكار مع المحافظة على معايير الحوكمة والاستقلالية والمساءلة. كما تبرز أهمية الانتقال من مناقشة الإمكانات التقنية إلى استعراض تطبيقاتها العملية، وتطوير قدرات مؤسسية وبشرية قادرة على توظيفها بصورة مسؤولة وفاعلة.
ويأتي انعقاد الجلسات الرئيسية للمؤتمر عقب اليوم التحضيري الذي خصص لمناقشة عدد من الموضوعات المهنية المرتبطة بالإغلاق المالي وإعداد القوائم المالية، وجودة أعمال التدقيق الخارجي، وتعزيز الشراكة والتكامل في العمل الرقابي المالي، بما يعزز دور المؤتمر بوصفه منصة لتبادل الخبرات وتطوير الممارسات المهنية على المستويين المحلي والدولي.




