الرئيسيةمنوعات«القروبات العائلية»: حماس البدايات يذبل أمام...
منوعات

«القروبات العائلية»: حماس البدايات يذبل أمام قرارات مؤجلة للطلعات

29/05/2026 23:01

في معظم الهواتف اليوم لا يكاد يخلو أحد من وجود «قروب عائلة» يجمع أفراد الأسرة في مساحة موحدة، تتخللها رسائل يومية، صور، مقاطع، واقتراحات تبدأ بحماس جماعي كبير ثم تتوقف فجأة أمام أول عقبة تنظيمية أو رسالة تقول: «خلونا نأجلها شوي». وفقاً لآراء عدد من المواطنين، تحولت بعض القروبات العائلية، لا سيما الكبيرة منها، إلى ساحة تعج بالقرارات المؤجلة، بدءاً من الرحلات البرية والطلعات الجماعية، مروراً بمشروعات المزارع والاستراحات، وحتى الولائم الأسبوعية التي تُناقش تفاصيلها ثم تختفي بهدوء دون تنفيذ، كأنها لم تُطرح أصلاً.

العبارات المتكررة والقرارات المتأجلة

تظهر طرافة خاصة داخل بعض القروبات عندما تُعاد نفس العبارات في كل مرة يُطرح فيها مشروع جديد: «الموضوع يباله جلسة»، «خلونا نرتبها صح»، «بعد الإجازات إن شاء الله»، «بنروح الأسبوع الياي». هذه الجمل تُعد مؤشراً واضحاً على دخول القرار مرحلة التأجيل الطويل. كذلك تُستعمل صور مزارع أو مخططات استراحات أو جلسات خارجية بصورة سنوية لنفس المشروع، مصحوبة بتعليقات ساخرة من أفراد العائلة مثل «هذي المزرعة شفناها أكثر من بيوتنا».

آراء المختصين حول دور القروبات

أكد مختصون أن هذا الطابع الكوميدي لا يُنقص من أهمية القروبات كمساحة للحفاظ على التواصل العائلي، حتى وإن بقيت بعض المشروعات عالقة على شاشة الهاتف. ووصفت محاضر ومدربة دولية في القيادة والتوعية المجتمعية، عائشة الكندي، القروبات بأنها جزء لا يتجزأ من الحياة اليومية للأسر، تسهم في تعزيز التواصل بين الأقارب وتخفيف أثر انشغالات الحياة وتباعد المسافات. ومع ذلك، أشارت إلى أن كثيراً من القرارات التي تُطرح داخلها تُبنى على حماس لحظي أكثر من تخطيط واقعي.

وأوضحت الكندي أن المشروعات العائلية، مثل شراء المزارع أو تنظيم الطلعات الجماعية، تبدأ غالباً بطاقة جماعية مرتفعة، لكن كثرة الآراء والرغبة في إرضاء جميع الأطراف تجعل التنفيذ أصعب. وأكدت أن بعض النقاشات تتحول مع الوقت إلى مساحة للترفيه وتبادل الطرائف بدلاً من خطوات عملية حقيقية.

وأضافت أن النمط المتكرر في القروبات يبدأ بفكرة حماسية، ثم ينتقل إلى تفاصيل كثيرة، قبل أن يتراجع تدريجياً مع انشغال الأفراد أو اختلاف المواعيد، لتصبح مادة كوميدية متداولة بين أفراد العائلة.

الأثر النفسي والاجتماعي للقروبات

من جانبه، أوضح استشاري الصحة النفسية محمد يحيى نصار أن القروب لا يقتصر دوره على التواصل اليومي فحسب، بل أصبح مساحة اجتماعية تمنح الأفراد شعوراً دائماً بالقرب والانتماء، خصوصاً في ظل ضغوط الحياة وتسارع وتيرتها. وأوضح أن التفاعل داخل القروب، حتى وإن اقتصر على المتابعة أو قراءة الرسائل، يساهم في تقليل مشاعر العزلة وتعزيز الإحساس بالأمان النفسي، مشيراً إلى أن الرسائل اليومية البسيطة والصور والمشاركات العائلية تحمل أبعاداً عاطفية تتجاوز محتواها الظاهري.

وأشار نصار إلى أن كثيراً من المواقف التي تبدأ بحماس كبير ثم تتوقف فجأة تنتج عن ما وصفه بـ«الحماس الجماعي اللحظي»، حيث يتفاعل أفراد العائلة عاطفياً مع الفكرة عند طرحها، دون تصور واقعي واضح لآلية التنفيذ. ومع دخول التفاصيل العملية مثل تنسيق المواعيد وتوزيع المسؤوليات واختلاف أولويات الأفراد، يتراجع الزخم وتتحول الفكرة إلى نقاش مفتوح ينتهي غالباً بالتأجيل.

وأكد نصار أن غياب الشخص المسؤول عن تنظيم القرار وحسم التفاصيل يُعد من أبرز أسباب تعثر الخطط، إذ تُطرح الأفكار داخل القروب دون آلية واضحة للتنفيذ، فتدور النقاشات في حلقة متكررة تنتهي بعبارات مألوفة مثل «نرجع لها لاحقاً» أو «الأسبوع الياي إن شاء الله».

شهادات المواطنين حول التجارب العائلية

وأعربت المواطنة مريم محمد النقبي عن تجربة طويلة لاقتراح شراء مزرعة عائلية طُرح داخل القروب منذ سنوات، حيث تبدأ المناقشات بحماس كبير وتُرسل صور لمجالس خارجية ومسابح وتصاميم حديثة، ثم يتحول النقاش سريعاً إلى خلاف حول الموقع أو الميزانية. وأضافت أن بعض أفراد العائلة يتعاملون مع المشروع كأنه «مدينة متكاملة»، مطالبين بإضافة ملعب أو تربية طيور أو تخصيص جلسات شتوية وصيفية، لينتهي الموضوع برسالة تقول: «خلونا نرجع له بعد العيد».

وقال المواطن جاسم الرئيسي إن ما يلفت الانتباه في القروب هو النقاشات الطويلة التي تسبق أي «طلعة جماعية»، رغم أن كثيراً منها لا يصل إلى مرحلة التنفيذ. وأوضح أن اختيار المطعم وحده قد يتحول إلى سلسلة طويلة من التصويتات والاقتراحات وإرسال المواقع الإلكترونية وحسابات المطاعم عبر منصات التواصل، في محاولة كل طرف لإقناع بقية أفراد العائلة بخياره المفضل. كما ذكر أن بعض الأعضاء لا يشاركون في البداية، ثم يظهر أحدهم بعد الاتفاق شبه النهائي ليسأل عن التفاصيل من جديد، ما يؤدي إلى إعادة النقاش وتغيير الخطة مرة أخرى، وأن كثيراً من «الطلعات» تنتهي بالتأجيل بعد ساعات طويلة من الترتيب داخل القروب.

وأشار المواطن عبد الرحمن الحمادي إلى أن بعض القروبات العائلية تحتاج إلى «لجنة تنظيم» لتتمكن من تنفيذ أي قرار، نظراً لتعدد الآراء وتضارب المواعيد. وأوضح أن أي اقتراح بسيط يتحول سريعاً إلى عشرات الرسائل الجانبية وتفاصيل تؤدي في النهاية إلى التأجيل. وأكد أن العبارات نفسها تتكرر دائماً داخل القروب، مثل «بنأكد الليلة»، «خلونا ننسق»، «الأسبوع الياي إن شاء الله»، لتصبح جزءاً ثابتاً من يوميات القروب، وسط تفاعل ساخر من الأعضاء.

وأضاف الحمادي أن بعض القروبات تحولت إلى «استطلاعات رأي مفتوحة» لا تنتهي، حيث يُصوَّت على كل شيء من نوع العشاء إلى لون الجلسات في المزرعة المستقبلية، مع تعليقات ساخرة مثل «هذي المزرعة شفناها أكثر من بيوتنا»، بينما يبقى التنفيذ غائباً تماماً. وختم بأن المشكلة لا تكمن في قلة الرغبة، بل في كثرة الحماس اللحظي مقابل غياب الشخص الذي يتولى الحسم والتنفيذ الفعلي، خصوصاً في العائلات الكبيرة التي يصعب جمع أفرادها على موعد واحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *