الرئيسيةأخبار السعوديةحكاية وداع الحاج في جازان: تقاليد...
أخبار السعودية

حكاية وداع الحاج في جازان: تقاليد قديمة بين القوافل والقرن الحديث

21/05/2026 11:00

أوضح عريفة قبائل الصبانية وكبير عشيرة الحكامية بمحافظة الدرب، الشيخ علي بن الحسين قاسم، للصحيفة “الوطن” أن موقع الدرب على الساحل جعلها عبر القرون محطة رئيسية للحجاج والتجار والقوافل، ومكانًا لتلاقي القبائل وتعزيز المصاهرة والجوار، حتى صارت بوابة جازان الشمالية نحو عسير ومكة المكرمة.

تحضيرات الحاج قبل الانطلاق

يذكر قاسم أن الحاج قديماً كان يبدأ استعداداته قبل أشهر من موعد السفر، فيختار “الرفقة الصالحة” نظراً لخطورة الطريق، ويجهز المؤن والجمال التي كانت وسيلة النقل الأساسية آنذاك.

وداع الحاج: طقوس اجتماعية مؤثرة

كان وداع الحاج مناسبة اجتماعية تشارك فيها النساء والأطفال، حيث تُرفع الأهزوجات في منزل الحاج وسط مشاعر الفخر والحزن. من أشهر هذه الأهزوجات: “يوم تحبيل القعادة كانت أيام السعادة والجميع في سرور”. ويُقصد بـ”القعادة” كرسيًا خشبيًا يُصنع من الدوم وسعف النخل، يُجدد نجاره حباله قبل السفر، ويُعد رمزًا لمكانة الحاج؛ فلا يجلس عليه أحد حتى يعود سالماً.

قوافل الطريق ومصاعب الرحلة

وفقًا لقاسم، كانت القوافل تنطلق في منتصف شهر شوال لتصل إلى يوم عرفة، ويحمل الحجاج معهم السمن والبر واللبن المجفف، إضافة إلى أكلة “الشمير” المصنوعة من القمح والدخن الممزوجين بالسمن وزيت السمسم. لم تكن الرحلة سهلة؛ فقد واجه الحجاج عورات الطرق الرملية، ندرة القرى، تقلبات الطقس، الأمطار المفاجئة، الرياح القوية، إلى جانب الأمراض والإرهاق. واستذكر قاسم حكايات جدته وعددًا من أهالي الدرب الذين خاضوا تلك الرحلات الطويلة بصبر وعناء.

أهازيج الأطفال وهدايا العودة

كان الأطفال يودعون الحجاج بأهازيج شعبية متوارثة، منها: “يا حاج حج مكة وجب لنا معك صنبراني يا حاج حج مكة وجب لنا معاك زعفراني”. وعند عودة الحاج، يحمل معه “الصنبران” وهو خليط من البخور والعطور، بالإضافة إلى السبح والخواتم والهدايا التي تُوزع على الجيران والأقارب. وتستقبل النساء الحجاج بالحناء والفل والبخور احتفالًا بسلامة وصولهم.

المبشر قبل وصول القافلة

يؤكد قاسم أن الحج قديماً لم يكن مجرد رحلة دينية، بل منظومة اجتماعية متكاملة تعكس قيم التكافل والصبر والاعتماد على النفس؛ لذا كان الحاج يحظى بمكانة كبيرة بعد عودته. وكان “المبشر” يسبق القافلة من مشارف القحمة إلى الدرب ليبلغ الأهالي بسلامة الحجاج، مرددًا: “يا مبشر حث ساقك”، خصوصًا عند عبور المواقع الوعرة التي كانت تشكل خطرًا على القوافل في ذلك الزمان.

من القعادة إلى الطائرة

يُلاحظ قاسم أن اختفاء القوافل البرية ووسائل السفر التقليدية لم يُغنِ عن كثير من مظاهر الحج القديمة؛ فالأهازيج والقصص الشعبية لا تزال حاضرة في المجالس والذاكرة الجماعية. ومع تطور المملكة، تحولت رحلة الحج من المشقة إلى الرفاهية عبر الطرق المعبدة والطيران وقطار المشاعر والخدمات الصحية والسكن المريح، إلى جانب المشاريع المتطورة التي أطلقتها الدولة لخدمة ضيوف الرحمن. وبين “القعادة” والطائرة، وبين “زاد الشمير” ووجبات الفنادق، يبقى المعنى واحدًا لدى أهل جازان: الحج عبادة عظيمة، والذكريات القديمة تراث يروي تفاصيل زمن صاغه الصبر والإيمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *