الرئيسيةأخبار السعوديةإحسان تتحول إلى مؤسسة خيرية مستقلة...
أخبار السعودية

إحسان تتحول إلى مؤسسة خيرية مستقلة بأمر ملكي وتعزز أثر العمل الإنساني

24/08/2026 07:00

من منصة إلى مؤسسة

بدأت المنصة الوطنية للعمل الخيري «إحسان» رحلتها في عام 2021 بدعم وتمكين من الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، وكانت الفكرة تتجاوز مجرد إنشاء منصة رقمية لاستقبال التبرعات؛ فقد سعت إلى تأسيس نموذج جديد للعمل الخيري الرقمي يعتمد على التقنية والبيانات، ويعزز الحوكمة والشفافية، ويربط المحسن بالفرصة والفرصة بالمشروع والمشروع بالمستفيد.

في 20 أغسطس 2026 صدر أمر ملكي كريم بتحويل المنصة إلى مؤسسة مستقلة غير هادفة للربح باسم «مؤسسة إحسان للعمل الخيري». هذا التحول ليس مجرد تغيير في المسمى أو الصفة النظامية؛ بل يمثل مرحلة جديدة من النضج المؤسسي، حيث منحت المؤسسة صلاحيات أوسع ومرونة أكبر وقدرة أعلى على تحفيز الابتكار وتطوير الخدمات ودعم المنصات غير الربحية وتوحيد الجهود التقنية والفنية للعمل الخيري والتنموي.

التقنية وخدمة الإنسان

أحد أوجه التميز في تجربة «إحسان» هو وضع التقنية في خدمة غاية إنسانية نبيلة؛ إذ لا تُعتبر التقنية هدفاً بذاتها، بل وسيلة لتسهيل التبرع، وتنظيم الفرص، وتحسين تجربة المحسن، ودعم الجهات غير الربحية، وتعزيز الحوكمة والشفافية، ما يساعد على تعظيم أثر الموارد الموجهة للعمل الخيري.

كلما أصبحت رحلة التبرع أكثر وضوحاً وسهولة وموثوقية، ازدادت قدرة المجتمع على المشاركة في الخير، وتزايدت القدرة على وصول الموارد إلى البرامج والمشروعات التي تحتاجها المجتمعات والمستفيدون.

الجمعيات والقطاع الثالث

يمتد أثر «إحسان» إلى الجمعيات والمؤسسات الأهلية التي تمثل عماداً أساسياً في القطاع الثالث. عندما تحصل الجمعية على فرص تمويل منظمة لمشروعات واضحة الأهداف، تصبح أكثر قدرة على التخطيط والتنفيذ والتوسع، وتنتقل تدريجياً من التعامل مع الاحتياج بوصفه حالة آنية إلى بناء برامج تنموية تعالج الاحتياج وتبحث عن أسبابه وسبل الحد منه.

وهذا يسهم في الانتقال من العمل الرعوي إلى العمل التنموي؛ فالتنمية تبني القدرة بينما الرعاية تسد الحاجة، والتمكين يفتح أمام المستفيد فرصة جديدة بدلاً من الدعم العاجل الذي يحمي من أزمة فقط.

ترتبط تجربة «إحسان» مباشرة بمستهدفات رؤية السعودية 2030 التي تنظر إلى القطاع غير الربحي كشريك أساسي في التنمية الوطنية، وتسعى إلى رفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5% بحلول عام 2030. تحقيق هذا الطموح يتطلب بناء قطاع أكثر كفاءة واستدامة قادر على تنمية موارده وتطوير خدماته وقياس أثره وتوسيع مشاركته في الاقتصاد والمجتمع.

تمكين الجمعيات من الوصول إلى موارد التبرعات، وتسهيل وصول المحسنين إلى المشاريع، وتعزيز الحوكمة والشفافية، كلها عوامل تساعد على رفع قدرة القطاع الثالث على العمل والنمو والاستدامة. ولا يُنسب ارتفاع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي إلى «إحسان» وحدها؛ فهذا التحول ثمرة منظومة وطنية متكاملة تشارك فيها الجهات الحكومية والخاصة وغير الربحية، لكن «إحسان» أصبحت إحدى الأدوات الوطنية المهمة في تمكين هذا القطاع وتعظيم قدرته على صناعة الأثر.

جودة الحياة والرؤية المستقبلية

إن أعظم ما يمكن أن تقاس به تجربة «إحسان» ليس حجم الأموال التي مرت عبر المنصة فحسب، بل حجم التغيير الذي أحدثته في حياة الناس؛ فجودة الحياة ليست مباني وطرقاً وخدمات فقط؛ إنها أيضاً مريض يجد العلاج، وأسرة تجد السكن، وطالب يجد فرصة للتعليم، وشاب يجد فرصة للتمكين، ومحتاج يجد من يقف معه ويحفظ كرامته.

عندما يتحول التبرع إلى خدمة، والخدمة إلى تمكين، والتمكين إلى استقرار وإنتاج، يصبح العطاء أحد مكونات جودة الحياة. وهكذا يلتقي العمل الخيري مع أهداف التنمية الوطنية؛ لأن الإنسان هو المستفيد النهائي من كل منظومة تنموية ناجحة.

اليوم، بعد أن أصبحت «إحسان» مؤسسة مستقلة، يطرح السؤال عن مستقبلها ليس فقط كم ستجمع في السنوات المقبلة، بل الأهم: كم إنساناً ستمكّن؟ وكم جمعية ستصبح أكثر استدامة؟ وكم مشروعاً سيتحول من فكرة إلى أثر؟ وكم قيمة اجتماعية واقتصادية ستضيفها إلى الوطن؟

حين تتحول التبرعات إلى مشروعات، والمشروعات إلى تمكين، والتمكين إلى إنتاج، والإنتاج إلى قيمة مضافة، فإننا لا نتحدث عن عمل خيري بالمعنى التقليدي فقط؛ بل نتحدث عن قوة تنموية تسهم في بناء مجتمع أكثر تكافلاً، وقطاع غير ربحي أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر شمولاً.

وبذلك تصبح «إحسان» أكثر من منصة، وأكثر من قناة للتبرع؛ تصنع شرياناً يغذي القطاع الثالث، وجسراً يصل المحسن بالمستفيد، وأداة لتحويل العطاء إلى أثر، والأثر إلى تنمية، والتنمية إلى جودة حياة.

إذا كانت رؤية السعودية 2030 قد فتحت للقطاع غير الربحي طريقاً واسعاً نحو المستقبل، فإن «إحسان» تقدم نموذجاً وطنياً يؤكد أن الخير حين تدعمه التقنية، وتحكمه الحوكمة، وترسخه الثقة، ويُقاس أثره، يستطيع أن يتحول من قيمة إنسانية نبيلة إلى قوة تنموية مستدامة.

وهذا هو الفصل الجديد في قصة «إحسان»: من منصة تجمع الخير إلى مؤسسة تصنع الأثر إلى شريك وطني في بناء مستقبل القطاع غير الربحي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *