عندما يتحول التنافس الإعلامي إلى إقصاء

من الطبيعي أن يكون لكل إعلامي أسلوبه الخاص ومدرسته التي ينتمي إليها وجمهوره الذي يثق بما يقدمه، كما أن المنافسة بين الزملاء والقنوات والمنصات تُعتبر أمراً صحياً يدفع إلى الابتكار وتقديم محتوى ذي جودة أعلى.
التنافس الإعلامي وطبيعته
لكن المشكلة تظهر عندما تتحول هذه المنافسة إلى رغبة في إقصاء الآخر، أو عندما يرتبط نجاح إعلامي ما بمحاولة weakening زميله بدلاً من تعزيز حضوره المهني.
من المنافسة الصحية إلى الإقصاء
الإعلام ليس ساحة محدودة لا تتسع إلا لصوت واحد؛ فوجود إعلامي أو نجاحه لا يعني بالضرورة غياب الآخرين. الساحة الإعلامية الواسعة قادرة على استيعاب مدارس متعددة وتجارب مختلفة، والبقاء فيها لا يكون لمن يرفع صوته أكثر أو يهاجم منافسيه باستمرار، بل لمن يتمتع بالقدرة على الاستمرار، والتجدد، والالتزام بأخلاقيات المهنة.
الإعلام الحقيقي وقيم التعدد
المفارقة أن بعض الإعلاميين الذين يطالبون بحرية الرأي والاختلاف، يمارسون في المقابل نوعاً من الإقصاء تجاه زملائهم، وكأن الاختلاف مقبول فقط عندما يخدم وجهة نظرهم. بينما جوهر الإعلام الحقيقي يقوم على احترام التعدد، والقدرة على مناقشة الفكرة دون تحويل النقاش إلى مواجهة مع الشخص. كما أن البرامج الحوارية، خصوصاً الرياضية منها، تحمل مسؤولية كبيرة في تشكيل الثقافة الإعلامية لدى الجمهور؛ فالمشاهد لا يتابع فقط مضمون النقاش، بل يتأثر أيضاً بطريقة إدارة الحوار وأسلوب التعامل مع المخالف. وعندما تصبح الإثارة قائمة على الاستفزاز أو التقليل من الآخرين، فإن ذلك يرسخ مفهوماً خاطئاً عن طبيعة العمل الإعلامي، وكأن النجاح لا يتحقق إلا بالصدام.
الساحة السعودية ومستقبل الإعلام
المشهد الإعلامي السعودي يعيش مرحلة ازدهار كبيرة، مع توسع المنصات والقنوات وتنوع المحتوى وارتفاع عدد الكفاءات الإعلامية. وهذه المرحلة تحتاج إلى وعي أكبر بأن قوة الإعلام لا تأتي من إقصاء الأصوات المختلفة، بل من تكاملها وتنوعها. فليس المطلوب أن يتفق الجميع، وإنما أن يختلفوا باحترام، وأن تكون المنافسة على جودة الطرح وقيمة المحتوى، لا على إلغاء الآخر. فالإعلامي الحقيقي لا يُقاس بعدد الخصومات التي يخوضها، بل بالأثر الذي يتركه، وبقدرته على بناء حضور مهني يحترمه حتى المختلفون معه. فالساحة تتسع للجميع، لكن التاريخ الإعلامي يحتفظ دائماً بمن حافظ على مهنته قبل أن يدافع عن مكانته.



