استعدادات صحية مشددة لمونديال 2026 في مواجهة مخاوف انتشار الأوبئة

مع اقتراب انطلاق النسخة الأكبر في تاريخ كأس العالم لكرة القدم، تتصاعد التحذيرات الصحية في الأوساط الرياضية العالمية، وسط مخاوف من انتشار عدد من الفيروسات والأوبئة، أبرزها هانتا وإيبولا والحصبة، في بعض الدول المشاركة أو المستضيفة لنهائيات مونديال 2026، الذي تستضيفه الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بين 11 يونيو و19 يوليو المقبلين.
تحديات صحية قبل انطلاق البطولة
ومع اتساع نطاق القلق، تبرز تساؤلات حول قدرة الجهات المنظمة على التعامل مع التحديات الصحية المحتملة، في ظل الحديث عن إجراءات رقابية مشددة قد تشمل فرض عزل احترازي على بعض القادمين من مناطق تشهد تفشياً للأمراض، وفي مقدمتهم أفراد منتخب الكونغو الديمقراطية. كما ترددت مخاوف إنجليزية من انتشار الحصبة في بعض المدن الأمريكية، بالإضافة إلى أزمة السفينة السياحية الهولندية الأخيرة بسبب فيروس هانتا. وتزداد حساسية الموقف مع مشاركة 48 منتخباً للمرة الأولى في تاريخ البطولة، إلى جانب مئات الآلاف من الجماهير المتوقع تنقلها بين ثلاث دول وعشرات المدن المستضيفة.
سوابق تاريخية للرياضة في مواجهة الأوبئة
ورغم أن المشهد يبدو مقلقاً، فإن الرياضة العالمية اعتادت التعامل مع مثل هذه الاختبارات عبر تاريخها الطويل، حيث سبقت الأوبئة العديد من البطولات الكبرى، وأجبرت المسؤولين مراراً على إلغاء أحداث رياضية أو تأجيلها أو نقلها إلى دول أخرى حفاظاً على سلامة المشاركين.
وتعود واحدة من أقدم هذه الوقائع إلى عام 1919 عندما أُلغيت نهائيات كأس ستانلي لهوكي الجليد بين مونتريال كانيديينز وسياتل ميتروبوليتانز بسبب تفشي الإنفلونزا الإسبانية بين اللاعبين، وتفاقمت الأزمة مع دخول عدد من اللاعبين المستشفيات ووفاة أحدهم لاحقاً متأثراً بمضاعفات المرض.
وقبل انطلاق كأس العالم 1958 في السويد، فرض شلل الأطفال نفسه كمصدر قلق في أوروبا بعد موجة تفشٍ واسعة شهدتها مدينة كوفنتري البريطانية عام 1957 نتيجة نقص اللقاحات. لكن السلطات السويدية نجحت في احتواء الأزمة عبر تطوير لقاح محلي واستيراد كميات إضافية، ما أسهم في خفض الإصابات بشكل كبير وأتاح إقامة المونديال دون تسجيل أي انتشار للمرض بين الوفود.
وفي عام 2003، اضطر الاتحاد الدولي لكرة القدم لسحب تنظيم كأس العالم للسيدات من الصين بعد الانتشار الواسع لفيروس المتلازمة التنفسية الحادة “سارس” في جنوب البلاد وهونغ كونغ، بناءً على توصيات منظمة الصحة العالمية واللجنة الطبية التابعة لـ”فيفا”، لتنقل البطولة إلى الولايات المتحدة التي استضافتها بصورة عاجلة، فيما حصلت الصين على حق تنظيم نسخة 2007.
كما شهدت القارة الآسيوية عام 2004 تحدياً صحياً مع انتشار “أنفلونزا الطيور” بالتزامن مع استضافة الصين لبطولة كأس آسيا، حيث تعاملت السلطات بحزم عبر فحوص دقيقة للوفود والجماهير في المطارات والملاعب، وفرضت رقابة صحية شملت قوائم الطعام، فمُنع تقديم الدجاج والبيض في الفنادق واستُبدلت ببدائل أخرى تحت إشراف طبي مباشر.
وامتدت التداعيات إلى دورة الألعاب الآسيوية في قطر عام 2006، حيث خضع القادمون من الدول الأكثر تضرراً مثل فيتنام وإندونيسيا والصين لفحص مكثف وبرامج حجر صحي احترازي قبل دخول القرية الأولمبية.
وفي عام 2009، دفعت الأزمة الصحية في المكسيك السلطات الرياضية إلى إقامة مباريات الدوري المحلي خلف أبواب مغلقة دون جماهير، فيما قرر اتحاد الكونكاكاف تأجيل عدد من البطولات الإقليمية المؤهلة لكؤوس العالم للفئات السنية.
أما عام 2014، فشهدت بطولة كأس الأمم الأفريقية جدلاً بعدما طلب المغرب تأجيل نسخة 2015 بسبب المخاوف من انتشار فيروس إيبولا في غرب أفريقيا، غير أن الاتحاد الأفريقي رفض المقترح ونقل البطولة إلى غينيا الاستوائية بدلاً من المغرب.
أزمات صحية حديثة
وفي كوريا الجنوبية عام 2015، فرض فيروس “ميرس” نفسه على دورة الألعاب الجامعية العالمية، حيث انسحبت بعض الدول أو أخرت وصول بعثاتها، وألغيت مناطق المشجعين والفعاليات الثقافية المصاحبة، مع اعتماد المنظمين كاميرات الفحص الحراري وبرامج التعقيم اليومية والفحوص الطبية المشددة.
وجاء عام 2016 ليشهد قلقاً عالمياً قبيل دورة الألعاب الأولمبية في ريو دي جانيرو البرازيلية، بسبب انتشار فيروس “زيكا” المرتبط بتشوهات الأجنة والمنقول عبر البعوض، مما دفع عدداً من الرياضيين البارزين في الغولف والتنس وكرة السلة إلى الانسحاب من المنافسات.
ويبقى الحدث الأكثر تأثيراً جائحة “كوفيد-19” عام 2020، التي أوقفت النشاط الرياضي العالمي بشكل شبه كامل، وتأجلت دورة الألعاب الأولمبية في طوكيو لمدة عام وأقيمت من دون جماهير، كما تأجلت بطولة أمم أوروبا، وألغيت بطولة ويمبلدون للتنس، وأقيمت العديد من المباريات خلف أبواب مغلقة.
وفي ضوء هذه السوابق، تبدو الاستعدادات الصحية لمونديال 2026 جزءاً لا يقل أهمية عن الجوانب الفنية والتنظيمية، إذ تسعى الدول المستضيفة إلى ضمان إقامة النسخة الأكبر في تاريخ البطولة في بيئة آمنة، تمنع تكرار سيناريوهات شهدها العالم الرياضي على مدى أكثر من قرن.



