مونديال 2026 بين التوسع غير المسبوق والمخاوف من الإرهاق وتراجع الجودة

يترقب عشاق الساحرة المستديرة انطلاق نهائيات كأس العالم 2026 التي تستضيفها الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، وذلك خلال الأسابيع المقبلة. تأتي هذه النسخة محملة بسمات استثنائية غير مسبوقة، إذ تضم عدداً أكبر من المنتخبات والمباريات مقارنة بأي دورة سابقة، وتقام على أرض ثلاث دول مضيفة، مما يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل الحدث الأبرز على وجه الأرض وحدود ما يمكن أن يتحمله.
تخضع قدرة كرة القدم، أكثر الرياضات شعبية في العالم، لاختبار صعب في هذه النسخة، وسط مخاوف من بلوغها نقطة الانهيار. وتتعدد نقاط الضغط التي تسبق انطلاق المنافسات، وتشمل القدرة البدنية للنجوم الكبار الذين يهددون بالإضراب جراء ازدحام روزنامة المباريات، ومدى تركيز المشجعين في عصر البث التلفزيوني المتواصل، فضلاً عن الأسعار الباهظة للتذاكر ورسوم مواقف السيارات.
نظام موسع يثير الجدل حول جودة البطولة
يعتمد مونديال 2026 نظاماً موسعاً يضم 48 منتخباً بدلاً من 32، ويمتد على حوالي ستة أسابيع، وهو ما يراه كثيرون تهديداً لإضعاف المنتج الأهم للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). ويشير المهاجم الأمريكي السابق كلينت ديمبسي في تصريح لوكالة أسوشيتد برس إلى أن هذا التوسع قلص من حماس البطولة وجودتها، معتبراً أنها لا تبدأ فعلياً إلا في دور الـ32.
يؤدي النظام الموسع عملياً إلى تقليل احتمالية تشكل ما يُعرف بـ”مجموعة الموت” التي تضم عدة منتخبات قوية، كما يلغي جزءاً كبيراً من التشويق الذي كان يميز الأدوار الأولى حتى دور الـ16، وذلك لأن أفضل ثمانية منتخبات تحتل المركز الثالث ستتأهل أيضاً من دور المجموعات إلى دور الـ32. ويؤكد جوناثان ويلسون، مؤلف كتاب “القوة والمجد: تاريخ جديد لكأس العالم”، أن الخطر الأكبر يكمن في تراجع الإثارة، مشيراً إلى أن فيفا قد ينجح هذه المرة بسبب حداثة النظام وأسعار التذاكر، لكنه يحذر من أن المذيعين والجماهير قد يفقدون الاهتمام إذا لم تصبح البطولة مثيرة إلا في دور الـ16. ويشدد ويلسون على أن مباراة كأس العالم ينبغي أن تكون حدثاً لا يمكن تفويته، بينما لا أحد يشاهد 90 مباراة من أصل 104، واصفاً ذلك بأنه أمر مرهق ومتجاوز للحد.
فرصة للدول الصغيرة وقصص ملهمة
في المقابل، يرى القائمون على فيفا أن النظام الحديث يساهم في تطوير اللعبة وجعلها عالمية حقاً. وأشار السويسري جياني إنفانتينو، رئيس فيفا، إلى أن زيادة عدد المشاركين تخلق فرصاً لدول لم تكن لتحلم بالمشاركة أبداً. وتقوم النظرية على أن منح الدول فرصة أكبر للتأهل سيزيد تمويل الرياضات الشعبية ويرفع مستوى كرة القدم عالمياً. وتشهد هذه النسخة مشاركة أربع دول للمرة الأولى، من بينها كوراساو الصغيرة، وهي أصغر دولة من حيث عدد السكان تتأهل للبطولة على الإطلاق. ويصف إيلوي روم، حارس مرمى منتخب كوراساو، التأهل بأنه إنجاز كبير، معرباً عن رغبتهم في إثبات جدارتهم بالتواجد. وتشارك أيضاً للمرة الأولى منتخبات الأردن والرأس الأخضر وأوزبكستان، فيما سبق لهايتي التأهل عام 1974. ويقول ياسين فورتشن، لاعب وسط هايتي، إنهم كانوا يحلمون بلعب كأس العالم، مؤكداً أن التأهل أمر لا يصدق. ومن القصص الملهمة أيضاً حارس مرمى هايتي خوسيه دوفيرجيه، الذي سينتقل من كرة القدم المحلية في ألمانيا ليلعب إلى جانب نجوم البرازيل، والمدافع النيوزيلندي تومي سميث من نادي برينتري تاون الذي هبط من الدرجة الخامسة الإنجليزي.
قلق نقابات اللاعبين وضرورة الحفاظ على الندرة
يدعو بعض النقاد إلى تقليص عدد المنتخبات والمباريات، ويعد ماهيتا مولانجو، الرئيس التنفيذي لرابطة لاعبي كرة القدم المحترفين في إنجلترا، من أبرز المحذرين من إرهاق اللاعبين وتأثير مطالبتهم بخوض مزيد من المباريات. ويؤكد مولانجو أن جودة المنتج تتراجع، وأن كرة القدم يجب أن تسير على نهج دوري كرة القدم الأمريكية وتقدر “قيمة الندرة”. ويشير إلى أن متوسط إيرادات الدوري الأمريكي يصل إلى 11 مليار دولار سنوياً من صفقات البث، حيث يلعب كل فريق 17 مباراة فقط في الموسم العادي. وبالمقارنة، يلعب كل فريق 38 مباراة في الدوري الإنجليزي الممتاز، الذي تبلغ قيمة صفقة بثه المحلية 9 مليارات دولار لأربع سنوات، مما يجعله أقل ربحية نسبياً. ويؤكد مولانجو أن كرة القدم يجب أن تعيد النظر في جودة إنتاجها وتركز على الندرة بدلاً من الاعتقاد بأن المزيد أفضل.
لا يقتصر القلق على جودة المنتج فقط، بل يتعداه إلى الإجهاد البدني والنفسي للاعبين الكبار الذين يحصلون على فترات راحة أقل. فبعد هذه النسخة، سيكون العديد من النجوم قد شاركوا في ثلاث بطولات كبرى متتالية خلال فترات الراحة. وفي ديسمبر الماضي، كشفت نقابة اللاعبين المحترفين “فيفبرو” أن فريق تشيلسي الإنجليزي شهد ارتفاعاً في الإصابات بنسبة 44% بعد فوزه بكأس العالم للأندية. وقد استُبعد العديد من اللاعبين البارزين من المونديال بسبب الإصابة، بينهم نجوم البرازيل رودريجو وإيدير ميليتاو وإستيفاو. ويصف جيمي كاراجر، لاعب ليفربول السابق، معاملة اللاعبين الكبار بأنها أقرب إلى “القطيع”، داعياً إلى تذكر عدد المباريات التي خاضوها والظروف الصعبة التي يلعبون فيها.
أرقام قياسية في الإيرادات والتسعير المثير للجدل
يُعد كأس العالم المصدر الرئيسي لإيرادات فيفا، وتظهر الميزة المالية لتوسيع نطاقه بشكل جلي. فزيادة عدد المباريات إلى 104 مباريات يعني زيادة عدد التذاكر المتاحة مع ارتفاع أسعارها بشكل كبير. وعندما طُرحت التذاكر للبيع العام في يناير الماضي، تراوحت أسعارها بين 140 و8680 دولاراً، بينما وصلت بعض التذاكر لاحقاً إلى 32970 دولاراً للمباراة النهائية. ويحقق فيفا أرباحاً أكبر من خلال سوق إعادة بيع التذاكر، حيث يحصل على عمولة 30%، وقد عُرضت أربع تذاكر للمباراة النهائية في أبريل الماضي بسعر يقترب من 2.3 مليون دولار للتذكرة. وقد اتهم المشجعون فيفا بـ”الخيانة العظمى” بسبب استراتيجية التسعير، لكن الطلب يظل مرتفعاً، وتؤكد المنظمة غير الربحية إعادة استثمار الأموال في كرة القدم. ويتوقع أن تتجاوز عائدات كأس العالم 2026 حاجز 9 مليارات دولار.
يبقى أن نرى تأثير هذا الحجم الهائل في المشجعين، فيما تشير شركة “نيلسن” إلى تزايد الاهتمام بكرة القدم الدولية في الولايات المتحدة. وكانت مباراة نهائي كأس أمم أوروبا بين إسبانيا وإنجلترا الأكثر مشاهدة تلفزيونياً في الولايات المتحدة بين عامي 2023 و2025، بمتوسط 6.6 ملايين مشاهد. وحتى الآن، أبرم فيفا اتفاقيات بث مع 180 دولة لنقل البطولة، مما يؤكد استمرار الإقبال الكبير رغم المخاوف المطروحة.



