محمد عطا الله.. العالم المصري الذي أسس لأمن المعاملات الرقمية وثورة أشباه الموصلات

في كل مرة يُدخل فيها شخص ما بطاقته في جهاز الصراف الآلي، أو يفتح هاتفه الذكي، أو يُجري عملية شراء عبر الإنترنت، فإنه يستفيد – ربما من دون دراية – من إرث علمي لعالم مصري ساهم في إعادة تشكيل التكنولوجيا الحديثة عالمياً.
إنه الدكتور محمد محمد عطا الله، المولود في مدينة بورسعيد، والذي يُعد أحد أبرز رواد هندسة الإلكترونيات في القرن العشرين. فقدّم ابتكارات أصبحت اليوم جزءاً لا يتجزأ من البنية التحتية الرقمية العالمية، سواء في مجال أشباه الموصلات أو في أمن المعاملات المالية.
اختراع غير مسار الإلكترونيات
في مطلع ستينيات القرن الماضي، وأثناء عمله في مختبرات Bell Labs الأمريكية، نجح الدكتور عطا الله مع زميله في تطوير ترانزيستور (MOSFET)، وهو الابتكار الذي يعتبره كثير من الباحثين أهم مكون إلكتروني في العصر الحديث.
تميز هذا الترانزيستور باستهلاكه المنخفض جداً للطاقة، وإمكانية تصنيعه بأعداد هائلة داخل الشرائح الإلكترونية، مما فتح الباب أمام تصغير حجم الدوائر الإلكترونية وزيادة كفاءتها بشكل غير مسبوق.
على مدى العقود التالية، أصبح MOSFET العمود الفقري لصناعة أشباه الموصلات، ودخل في تصنيع المعالجات الدقيقة، والهواتف الذكية، وأجهزة الحاسوب، والسيارات الذكية، والخوادم، ومراكز البيانات، ومعدات الاتصالات، وحتى الأقمار الصناعية.
ويُعد هذا المكون اليوم أكثر عنصر إلكتروني تم إنتاجه في تاريخ البشرية، حيث تشير التقديرات إلى تصنيع أكثر من 10²² وحدة منه، وهو رقم يعكس مدى تأثير هذا الابتكار في الحياة اليومية لمليارات البشر.
الانتقال إلى أمن المعلومات
لم تقتصر مساهمات الدكتور عطا الله على ثورة أشباه الموصلات، بل انتقل لاحقاً إلى مجال لا يقل أهمية: أمن المعلومات وحماية البيانات المالية.
بعد عمله في شركة HP، أسس شركة Atalla Corporation التي ركزت على تطوير حلول أمن المعاملات البنكية، في وقت كانت فيه الخدمات المصرفية الإلكترونية لا تزال في مراحلها الأولى.
وهناك طور جهازاً عُرف باسم Atalla Box، وهو أول جهاز أمني متخصص لحماية البيانات البنكية وتشفيرها، ليصبح لاحقاً حجر الأساس لوحدات أمن الأجهزة (HSMs) المعروفة اليوم.
ولا تزال هذه التقنية، بعد تطويرها على مدى العقود، تشكل أحد أهم المكونات المستخدمة داخل البنية الأمنية للبنوك العالمية وأجهزة الصراف الآلي وشبكات الدفع الإلكتروني.
ثورة في أمن البطاقات البنكية
من أبرز إنجازات الدكتور عطا الله أيضاً تطوير نظام التحقق الآمن من الرقم السري PIN عن بُعد، وهو الابتكار الذي غيّر طريقة استخدام البطاقات البنكية حول العالم.
قبل ظهور هذا النظام، كانت عمليات التحقق من هوية المستخدم تواجه تحديات أمنية كبيرة، إلا أن الحلول التي طورها عطا الله وفرت مستوى عالياً من الحماية، وساهمت في انتشار أجهزة الصراف الآلي والخدمات البنكية الإلكترونية بصورة واسعة.
ولهذا السبب، ينظر خبراء الأمن السيبراني إلى ابتكاراته باعتبارها نقطة التحول التي جعلت المعاملات المالية الرقمية أكثر أماناً واعتمادية.
تمهيد الطريق للتجارة الإلكترونية
مع بدايات عصر الإنترنت، ساعدت التقنيات الأمنية التي طورها العالم المصري في بناء الثقة اللازمة لإجراء المدفوعات الإلكترونية.
فقد وفرت أنظمة التشفير وحماية البيانات التي ابتكرها الأساس الذي اعتمدت عليه المؤسسات المالية وشركات الدفع الإلكتروني لتأمين عمليات الشراء عبر الإنترنت، وهو ما مهد الطريق لازدهار التجارة الإلكترونية العالمية لاحقاً.
وبفضل هذه الابتكارات، أصبحت عمليات الدفع الرقمية التي ينفذها الملايين يومياً أكثر أماناً وموثوقية.
رحل الدكتور محمد عطا الله في نهاية عام 2009، إلا أن بصمته العلمية ما زالت حاضرة في كل جهاز إلكتروني تقريباً.
فابتكاراته لم تكن مجرد اختراعات منفردة، بل أسست لصناعات كاملة تُقدّر قيمتها بتريليونات الدولارات، وساهمت في تسريع الثورة الرقمية التي يعيشها العالم اليوم.
ويؤكد خبراء التكنولوجيا أن تأثير عطا الله لا يقاس بعدد براءات الاختراع التي سجلها فقط، وإنما بحجم التحول الذي أحدثه في مسار الابتكار العالمي، إذ يصعب تخيل الهواتف الذكية أو الحواسيب أو مراكز البيانات أو الأنظمة المصرفية الحديثة من دون التقنيات التي وضع أسسها قبل أكثر من ستة عقود.
ويظل الدكتور محمد عطا الله واحداً من أبرز العلماء العرب الذين تركوا أثراً دائماً في الثورة الرقمية، ونموذجاً ملهماً يؤكد أن العقول العربية قادرة على إنتاج ابتكارات غيرت العالم وما زالت تؤثر في حياة مليارات البشر حتى اليوم.



