رواية «دوائر الفقر والنفط والسياسة» للكاتب عبد الله القفاري: سيرة سليل من بريدة إلى بغداد

تبدأ الرواية بمشهد يفتح ككرة ثلج تتدحرج في سرد متصاعد عن بطل القصة، وتستعرض تفاصيل بيئية حسية تنقلك إلى حياة يومية لا يعتاد عليها القارئ في الأدب العربي التقليدي. تنقلك القصة من مسقط رأسه في بريدة، مرورًا بالظهران، ثم إلى بيروت ودمشق، ثم إلى بغداد، قبل أن تعود إلى نقطة الانطلاق في قرية حويلان التي ينتهي فيها مسار البطل.
نشر الرواية وتفاصيلها الفنية
تحمل الرواية عنوان «دوائر الفقر والنفط والسياسة» للكاتب السعودي عبد الله القفاري، وقد طُرحت من دار «نور حوران للدراسات والنشر والتراث» في دمشق عام 2025. تتجاوز الرواية أربع مئة صفحة، ما يجعلها عملاً سميكًا يتطلب صبرًا وعزمًا في زمن انحسار حجم الكتب.
المؤلف أنهى كتابة النص خلال يومين فقط، مع فترات استراحة قصيرة، مستندًا إلى أوضاع اجتماعية غامضة لم تُسجَّل في الذاكرة الجماعية، بل انتقلت عبر روايات الرواة أو عبر شذرات مؤلفات المؤرخين والمستشرقين. أصبحت تلك التفاصيل، التي تُعَدُّ تابوًا في بعض الأوساط، محاطة بصمتٍ يصعب كسره لأسباب متعددة.
سياق الأدب السعودي وتجاوره مع الروائيين الآخرين
كان للكاتب عبد الرحمن منيف حضورٌ بارز في مجالس الأدب، خصوصًا بعمله «مدن الملح» المتعلق بتاريخ المملكة. تلت ذلك فترات متقطعة من كتابات سُعوديين حاولوا ربط رواياتهم بالبيئة المحلية، مثل تركي الحمد بأعماله «الشميسي» و«شرق الوادي»، وموسى النقيدان بـ«الهدام» و«حارس البئر»، وعبدالله البخيت بـ«شارع العطايف»، وإبراهيم الحميدان الذي ركّز على بيئة نجد.
وتناغم كل كاتب مع موطنه الأصلي، كما فعل عبدالعزيز مشري في «الوسمية» و«زهور تبحث عن آنية»، وأحمد أبودهمان في «الحزام»، ويحيى أم قاسم في «ساق الغراب»، وعبده خال في «الموت يمر من هنا»، ما أظهر تنوع الإنتاج الروائي السعودي وتفاوت جودته.
محور السرد وشخصية البطل
تتمحور جميع هذه الأعمال حول حساسية البطل تجاه محيطه، وتأملاته في ما حوله، ما يثير في وجدانه رغبةً وطموحًا وشوقًا إلى المجهول، إلى جانب الأمل والحب والحنين إلى جذوره. ينسج القفاري في روايته هذا التوتر بين الإنسان وبيئته البكر، ليظهر ميوله وحاجاته وأمنياته.
اختار القفاري عنوانًا جريئًا، ولولا تصنيفه كنوع رواية لكان من الممكن أن يُصنَّف ككتاب فكري أو سياسي يتناول حقبًا من القرن الماضي. يروي من خلاله قصة «سليمان الحويلاني»، الذي يجسد جيلًا عاش في فترات جفاف وعصابات سياسية ساخنة في دول الجوار، لكنه ظل محصورًا في بيئته الأولية حتى تغيرت الظروف بصورة غير متوقعة.
ربط القصة بأحداث تاريخية وإشارات مستقبلية
يستند السرد إلى وقائع معروفة في بريدة تتزامن مع أحداث إقليمية عام 1956، حين وقع العدوان الثلاثي على مصر وزار الرئيس عبد الناصر الظهران، ما أدى إلى مطالبة الشباب بفتح مقاهي والسماح بركوب الدراجات، وتقليل سيطرة رجال الحسبة. كما يتطرق إلى مقتل الملك فيصل وتأثير تلك المرحلة على المجتمع.
يتقن القفاري استشراف المستقبل بأثر رجعي من خلال حوار بين سليمان الحويلاني وعلي الصفي حول تأثير الحرب العالمية الثانية، ودور النفط، وصعود التيارات القومية. يواصل السرد في فصول لاحقة استعراض لقاءات مع شخصيات سياسية وثقافية مثل عبد الله القصيمي في مقهى بحارة الحمراء ببيروت، ويتطرق إلى عالم «أرامكو»، والاحتجاجات الطبقية داخل الشركة، وتمرد الموظفين على القوانين الوظيفية.
تنتهي الرواية بوصف الزواج من سعاد بنت عقيلي، الذي استقر في دمشق ثم انتقل إلى المنطقة الشرقية حيث وُلد أولاده. يصف الكاتب كيف أدخل رجال العقيلات إلى بريدة الراديو والملابس الفاخرة والحرير والمجوهرات، قبل أن يصل إلى مرحلة «الصحوة» التي يصفها كعاصفة فكرية، وينتهي الفصل الأخير بأطول فصول الرواية، حيث يطرح رأيًا نقديًا حول مرحلة ما زالت محل نقاش وتتحول إلى رؤية جديدة.
تُعَدُّ الرواية وثيقة غنية تستحق دراسة نقدية مفصلة تشمل بنية السرد، والزمن والمكان، والحوار، والشخصيات، والحبكة، والصراع، واللغة، وغيرها من العناصر الأدبية.



