title

عجائب أرتيتا وسر النجاح
من كان يتخيل أن أغرب الأشياء ستكون مفتاح النجاح. القصة تُروى للأجيال عن كيف عاد أرسنال وكيف استرد «الغنرز» لقب الدوري الإنجليزي بعد سنوات من الغياب تجاوزت العقدين من الزمان. كلمة السر هي «عجائب أرتيتا». يدخل أرسنال الأحد إلى ملعب سيلهرست بارك التابع لكرستال بالاس من أجل مهمة واحدة فقط، هي انتظار نهاية المباراة، لا يهم كيف تبدأ، ولا كيف تستمر، ولا ما يجري فيها، الأهم أن تنتهي، فصافرة نهايتها تعني معانقة الحلم الجميل، حلم ما كان له أن يتحقق لولا وجود بعض من أفكار غريبة، قادت الفريق للصمود في وجه الكثير والكثير، وربما أكبر العقبات كانت عقدتي ديسمبر وأبريل.
العقبة التاريخية لـ«البوكسينغ داي»
«البوكسينغ داي» أو رعب المتصدرين: من لا يريد أن يبقى في الصدارة، من لا يريد أن يمضي إلى قمة الترتيب، جميع الأندية الكبرى التي تشارك في الدوريات تضع هذا الهدف أمام عينها قبل بداية الموسم، ولكن هل جميع كبار إنجلترا يرغبون في الوصول إلى «البوكسينغ داي» وهم في القمة، البعض يقول نعم، لكن في تاريخ الكرة الإنجليزية – الوفية جداً لتاريخيها – ما يدفع البعض إلى تجنب الوصول إلى هذا اليوم وهم في الصدارة.
يكشف تاريخ الدوري الإنجليزي منذ العام 1888 أن المتصدر في يوم 25 ديسمبر لا يملك أكثر من نسبة 44 % لتحقيق اللقب، فمن أصل 126 موسماً سابقة نجح المتصدرون مع وصول المنافسة إلى يوم 25 ديسمبر في 56 موسماً فقط في التتويج، بينما كان الفشل في 70 موسماً من نصيب من كان متصدراً للدوري الإنجليزي في مثل هذا اليوم من العام.
هذه العقدة الأولى التي واجهها أرتيتا هذا الموسم، وكانت بمثابة الامتحان التاريخي، حيث مر على هذا الموقف من قبل، ولكنه فشل في تخطية، دخل إلى «البوكسينغ داي» متصدراً، لكنه أنهى الموسم في المركز الثاني، هذا الموسم نجح في تفادي هذه العقدة، كما نجح في تفادي عقدته الخاصة المعروفة بـ«أبريل أرتيتا».
عقدة أبريل ونسبة الـ41%
من يتخيل ذلك، فريق مثل أرسنال، ومدرب بقدرات أرتيتا يقف عاجزاً أمام شهر واحد في السنة، وربما هو ما يسمى بشهر الحصاد، فعنده تكون البطولات قد اتجهت إلى أمتارها الأخيرة، لا يتبقى أكثر من 8 جولات في بعض المواسم، ولكن ما كان يحدث مع أرتيتا في هذا الشهر غريب للغاية، لم يحقق أرسنال بقيادة المدرب الإسباني انتصارات تذكر، بل لم «ينجح» في الوصول إلى نسبة الـ 50 % من الانتصارات، مكتفياً بتحقيق الفوز بنسبة وصلت فقط إلى 41 % في شهر حاسم، وكان هذا الموسم نموذجاً أيضاً لذلك، فقد دخله بفارق 9 نقاط عن مانشستر سيتي، ولكن خرج من الشهر محطماً، بل حتى قبل أن ينتهي الشهر، إذا تراجع الفارق الصداري إلى 3 نقاط مع مباراة مؤجلة لمان سيتي، حيث خسر أمام منافسه المباشر وقبله أمام بورنموث، ثم فاز على نيوكاسل، ولو كانت هناك مباراة رابعة في أبريل فإن أفضل توقعات أرسنال كانت التعادل – حسب الإحصاءات – ما كان يعني عملياً نهاية حلم الدوري، ولكن جاء مايو وجاءت الانتصارات المتتالية مع تعثر سيتي مرتين ليخطف أرسنال اللقب.
الوصول إلى التتويج احتاج من أرتيتا 8 سنوات، استخدم فيها الإسباني كل ما يملك من قدرات فنية، ولكنه قبل ذلك استخدم ما هو عجيب وغريب.
أساليب تحفيزية غير تقليدية: المصباح، الزيتون، النار، والتركيز
مصباح الترابط: في محاضرة للاعبي أرسنال استخدم أرتيتا مصباحاً فعلياً، ليشرح لهم كيف أن الفرد مهما كانت قدراته لن ينجح وحده، حيث إن الترابط الجماعي ينتج الطاقة التي يحتاج إليه المصباح للإنارة. كانت رسائل بسيطة، أنارت طريق لاعبي أرسنال في لحظات حالكة من مسيرة الفريق، جاءت بعد تراجع في المستوى قبل مواسم، عندما فقدوا الإيمان بقدراتهم، فجاء هذا المثال ليفتح لهم الطريق بضرورة الترابط كونهم وحدة واحدة من أجل إنارة طريق اللقب.
زيتون ونار ولن تسير وحدك: قبل مباراة لليفربول كانت تدريبات أرسنال تجري على أنغام نشيد «لن تسير وحدك» الأغنية المفضلة لجمهور ليفربول، وكان أرتيتا يسعى لتعويد اللاعبين على أجواء أنفيلد المخيفة، خسر أرسنال تلك المباراة بنتيجة كبيرة 0 – 4، لكن أرتيتا لم يترك الأمر يثني من عزيمة لاعبيه فأتي بمثال جديد، شجرة الزيتون العريقة، حيث ضرب مثلاً بشجرة زيتون معمرة – 150 عاماً – قائلاً: «نحن كهذه الشجرة نواجه الكثير، ولكن جذورنا ضاربة في الأرض، لذا لن نموت». وخلال الجولات الأخيرة وخصوصاً بعد الخسارتين من بورنموث ومان سيتي، كشفت تقارير بريطانيا أن أرتيتا، الذي كان يتحدث كثيراً حينها عن الحماس أشعل ناراً حقيقية في مجمع تدريبات أرسنال، داعياً اللاعبين لأن يكونوا في قمة الحماس مشتعلين مثل هذه النار، ويبدو أن هذا الأمر جاء بفائدة، حيث تحولت نتائج أرسنال بعد الخسارة أمام مان إلى انتصارات متتالية.
قمة التركيز: واحدة من الأسلحة التي وضعت أرسنال على قمة الدوري الإنجليزي بعد غياب استمر 22 عاماً هي أن الفريق تميز عن غيره بتركيزه العالي جداً، خصوصاً في الثلث الدفاعي للغنرز، الفريق الذي تلقى 26 هدفاً فقط في 37 مباراة في المجمل – وفي الحقيقة في 18 مباراة – حيث حقق الفريق رقماً مميزاً في الشباك النظيفة «الكلين شيت» بـ 19 مباراة حتى الآن. قبل مواسم كان أرسنال من أكثر الأندية ضعفاً في التركيز، ولعل ذلك ما دفع أرتيتا إلى ابتكار وسيلة غريبة للغاية لدفع لاعبيه إلى التركز، حيث قام بدعوتهم إلى حفل وبعد فترة، وفي طلب مفاجئ، سأل اللاعبين عن الوقت، وعن قدرتهم على سداد تكاليف الحفل، ليكشف معظم اللاعبين أن ساعتهم قد سرقت، ووجد البعض أن محفظته مفقودة، ليظهر الدرس الذي أراد المدرب تعليمه للاعبيه، حيث كان المدرب الإسباني الشاب قد تعاقد مع مجموعة من «محترفي خدعة خفة اليد» أو النشالين، الذين يعملون بشكل قانوني في المجال الترفيهي ليعلم لاعبيه كيفية التركيز، وعدم الإغفال ولو لثانية واحدة، فكثير من المباريات تضيع في لحظة عدم تركيز.
ما قام به أرتيتا سيبقى واحداً من الأساليب التحفيزية الغريبة، ولكن في النهاية كان لعمله التكتيكي على مدار سنوات الفضل الأعلى في عودة الفريق إلى منصة التتويج في الدوري الإنجليزي بعد 22 عاماً من الغياب.



