قمة أنقرة تُعيد تشكيل مسار الناتو بين المصالح المشتركة والالتزامات الأمنية

تستقبل أنقرة هذا الأسبوع قمة حلف شمال الأطلسي السادسة والثلاثين، حيث يجتمع ممثلوا العواصم الأطلسية في 7 و8 يوليو لمناقشة مستقبل التحالف في ظل ظروف أمنية دولية تشهد اضطراباً متصاعداً منذ انتهاء الحرب الباردة.
البيئة الأمنية المتقلبة ورؤية الإدارة الأمريكية
تتسم الفترة الراهنة بتقلبات شديدة في المشهد الأمني العالمي، وتأتي دعوة تركيا لاستضافة القمة في وقت تتقاطع فيه تداعيات الصراع بين روسيا وأوكرانيا مع مخاوف متزايدة حول أمن الطاقة وتوترات إقليمية تمتد من البحر الأسود إلى مناطق الشرق الأوسط. يأتي ذلك في ظل ما يعتزم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إرساؤه من منظور مختلف لإدارة التحالفات، يركز على إعادة تعريف الالتزامات الأمنية عبر ما يُسميه “معادلة المصالح المباشرة” وتوزيع الأعباء بصورة أكثر توازناً.
محاور جدول الأعمال: من أوكرانيا إلى الإنفاق الدفاعي
إلى جانب الملف الأوكراني، سيحظى النقاش بمواضيع تتعلق بمستقبل ميزانية الدفاع داخل الحلف، وخطط الاستثمار المشترك في القدرات العسكرية، وتوسيع إمكانيات الدفاع للدول الأعضاء. كما سيُعطى اهتمام خاص لتعزيز التعاون الأمني في الجناح الجنوبي للناتو، لا سيما عبر مبادرة إسطنبول التي تستهدف تقوية الروابط مع دول الخليج العربي.
آراء الخبراء حول “لغة المصالح” وتوزيع الأعباء
يُشير الدكتور محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة، إلى أن النهج الأمريكي القائم على الصفقات الثنائية قد يحد من بعض الخلافات الفورية، لكنه لا ينجز معالجة الانقسامات الهيكلية داخل الحلف. ويضيف أن الضغوط الأمريكية المستمرة لتكثيف مساهمة الدول الأعضاء في الإنفاق الدفاعي، والتي تعززت بعد قمة لاهاي، قد تُعيد تشكيل موازين القوة داخل الناتو.
وبحسب بوبوش، تبرز تركيا كعنصر لا غنى عنه بفضل امتلاكها ثاني أكبر جيش في الحلف وموقعها الجغرافي الحيوي في البحر الأسود وشرق المتوسط والقوقاز والشرق الأوسط، فضلاً عن تقاربها البراغماتي المتزايد مع واشنطن. ويؤكد أن هذا القرب أسفر عن رفع مستويات الإنفاق الدفاعي وتعزيز التنسيق الأمني في مواجهة التهديدات الروسية، مستنداً إلى القدرات التركية وموقعها الاستراتيجي.
مع ذلك، يحذر بوبوش من أن ربط الالتزامات الأمنية بصفقات عينية قد يفاقم مخاوف أوروبا بشأن مبدأ الدفاع الجماعي، ما قد يدفع القارة إلى تسريع مسار بناء قدراتها الدفاعية المستقلة. ويُبرز أيضًا وجود تباين استراتيجي بين واشنطن التي تُعيد تركيز اهتمامها على الصين، وأوروبا التي ما زالت تعتبر روسيا الخطر الأكثر إلحاحاً.
يختتم بوبوش بأن قمة أنقرة لن تُعيد بناء الناتو من جذوره، بل قد تُرسّخ مرحلة جديدة ترتكز على تقاسم أعباء أكبر، مع بقاء البراغماتية أداة لإدارة الخلافات لا بديلاً عن الثقة الإستراتيجية التي تُعَدّ صمام أمان الحلف.
تحليل د. أشرف سنجر: إعادة صياغة الشراكة الأمريكية الأوروبية
يُضيف الدكتور أشرف سنجر، أستاذ السياسات الدولية من القاهرة، أن القمة ستمثل محطة حاسمة لتقييم مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وبقية الحلف، في ظل الخلافات المتصاعدة حول تقاسم الأعباء الدفاعية والاستجابة للأزمات الدولية، وعلى رأسها الصراع الروسي الأوكراني.
يُوضح سنجر أن الخلافات لا تعني انقطاعاً في العلاقات، بل تعكس سعي الإدارة الأمريكية إلى تعديل قواعد الشراكة لتتوافق مع رؤية ترامب التي تستهدف رفع مساهمة الدول الأعضاء إلى خمسة بالمائة من ناتجها المحلي الإجمالي ضمن جدول زمني تدريجي، بهدف تخفيف الاعتماد الأوروبي الطويل على المظلة الأمنية الأمريكية.
ويؤكد أن تركيا ستلعب دوراً محورياً خلال القمة، نظراً لموقعها الاستراتيجي وقدرتها على ربط القضايا الأمنية الأوروبية بالشرق الأوسط، إضافة إلى إدراكها لأهمية الحفاظ على تماسك الحلف رغم الخلافات القائمة.
ويُشير إلى أن استمرار القتال في أوكرانيا وتوترات إيران وتحديات أمن الطاقة يفرضان ضرورة توسيع التعاون الأمني داخل الناتو. وعلى الرغم من مخاوف أوروبا من بعض المواقف الأمريكية تجاه روسيا، فإن المصالح الاستراتيجية المشتركة لا تزال تتفوق على الخلافات المؤقتة، خصوصاً في ظل صعود الصين وتزايد التحديات العالمية.
ويُؤكد سنجر أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى الانفصال عن الحلف، بل إلى إعادة توزيع الأعباء وتعزيز مساهمة الشركاء في تحمل تكاليف الأمن الجماعي، مع الحفاظ على مبدأ المادة الخامسة التي تضمن الدفاع المشترك.
ويختتم بأن القمة قد تُفضي إلى اتفاقيات جديدة بشأن الإنفاق الدفاعي والأهداف الأمنية المشتركة، مع تأكيد مستمر على فعالية آلية الدفاع الجماعي، وأن الحلف يتجه إلى إعادة ترتيب أولوياته وآلياته بدلاً من الانقسام أو الانحلال.
اختبار قدرة الناتو على التكيّف
بهذا الجمع بين رؤيتين متباينتين، تُعد قمة أنقرة اختباراً حقيقياً لمرونة الناتو في مواجهة التحولات السريعة التي يشهدها النظام الدولي. بينما تدفع واشنطن باتجاه نموذج أكثر براغماتية يركز على تقاسم التكاليف والمسؤوليات، تسعى العواصم الأوروبية إلى صون الضمانات الإستراتيجية التي شكلت أساس الأمن الأطلسي لعقود.
في خضم هذه المعادلة، تظل تركيا في موقع فريد بفضل موقعها الجغرافي الاستثنائي وعلاقاتها المتشابكة مع مختلف الأطراف، ما يمنحها دوراً متنامياً في صياغة موازين القوى الجديدة داخل الحلف.



