الرئيسيةعربي و عالميهدايا الزفاف النقدية في اليابان تواجه...
عربي و عالمي

هدايا الزفاف النقدية في اليابان تواجه ضغوط التضخم المتصاعد

02/08/2026 23:00

ثبات قيمة «غو-شوجي» رغم ارتفاع التكاليف

في معظم بلدان العالم، رفع التضخم أسعار معظم السلع والخدمات، من الطعام إلى تذاكر الترفيه. ومع ذلك، في اليابان لا يزال هناك رقم واحد يقاوم هذا التغير منذ عقود، وهو قيمة الهدية النقدية التي يقدمها المدعوون في حفلات الزفاف.

على الرغم من أن تكاليف إقامة حفلات الزواج ارتفعت بصورة حادة خلال السنوات الأخيرة، فإن العرف الاجتماعي الذي يحدد قيمة هدايا الزفاف ظل جامداً، مما أدى إلى نقل العبء المالي لحفل الزواج بالكامل تقريباً إلى العروسين، وفقًا لما ذكرته «بلومبرغ».

أسباب rigidity في العادات الاجتماعية

في اليابان لا يحمل الضيوف هدايا منزلية أو يختارون شيئًا من قائمة احتياجات العروسين، بل يقدمون مبلغًا نقديًا يُعرف بـ «غو-شوجي» داخل ظرف مزخرف. ويحدد العرف الاجتماعي قيمة هذا المبلغ بدقة: يدفع الضيف عادة 30 ألف ين (ما يعادل 183 دولارًا)، بينما يرتفع المبلغ إلى 50 ألف ين إذا حضر برفقة شريكته.

طوال ربع قرن أمضته الكاتبة في اليابان، لم يتغير هذا الرقم ولو مرة واحدة. لكن ما تغير هو تكلفة الزواج نفسها.

بعد جائحة كوفيد، أدت موجة التضخم لارتفاع تكاليف إقامة حفلات الزفاف بصورة كبيرة. وتشير إحدى الدراسات إلى أن تكلفة استضافة كل ضيف ارتفعت بنحو الثلث، بعد زيادة أسعار العمالة والطاقة والأغذية والمشروبات إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ جيل كامل.

وبالتالي، أصبحت حفلات الزفاف أكثر تكلفة بالنسبة للعروسين، بينما ظلت مساهمة الضيوف ثابتة عند المستوى نفسه الذي اعتادت عليه اليابان خلال سنوات الانكماش الاقتصادي الطويلة.

ومن المدهش أن قواعد الإتيكيت لم تتأثر بالتضخم. فما زالت قيمة «غو-شوجي» القياسية تبلغ 30 ألف ين، ما يجعل الضيف اليوم يحصل على الحفل نفسه، وربما موائد طعام أفضل ومشروبات أكثر، مقابل مبلغ فقد جزءًا من قيمته الحقيقية مع ارتفاع الأسعار.

ويعكس ذلك ظاهرة يعرفها الاقتصاديون باسم «الجمود الاسمي»، أي مقاومة الأسعار أو القيم التقليدية للتغيير، حتى عندما تتغير الظروف الاقتصادية بصورة كبيرة.

تأثير التضخم على الحياة اليومية والخيارات الزوجية

وأشهر مثال على ذلك، كان ما عرف بـ «حاجز الألف ين» لطبق الرامين، الأمر الذي دفع كثيرًا منها إلى الإفلاس. لكن التضخم الحالي بدأ يكسر هذه الحواجز النفسية. واليوم، أصبح العثور على طبق رامين يتجاوز سعره ألف ين أمراً اعتياديًا، كما ساهم انتشار وسائل الدفع الإلكتروني في تقليل الحساسية تجاه الأسعار.

أما بالنسبة لحفلات الزفاف، فالأمر أكثر تعقيدًا. فهدايا «غو-شوجي» لا تزال تخضع لقواعد صارمة. إذ يجب أن توضع داخل أظرف خاصة، وأن تحوي أوراقًا نقدية جديدة غير مطوية. كما أن اختيار المبلغ نفسه تحكمه اعتبارات اجتماعية وثقافية.

فمبلغ 30 ألف ين ليس مجرد رقم مناسب، بل لأن ثلاث أوراق من فئة عشرة آلاف ين لا يمكن تقسيمها بالتساوي بين شخصين، وهو ما يرمز إلى استمرار الزواج وعدم الانفصال.

أما 40 ألف ين، فيجب تجنب تقديمه، لأن الرقم أربعة ينطق بطريقة تشبه كلمة «الموت» في اليابانية، بينما يُنظر إلى 50 ألف ين على أنه هدية مخصصة للأقارب أو كبار المسؤولين.

والملاحظة أن هذا التقليد ليس ضاربًا في القدم كما يعتقد كثيرون. فبحسب معظم الروايات، لم يصبح مبلغ 30 ألف ين هو المبلغ القياسي، إلا خلال طفرة الثمانينيات، عندما انتشرت حفلات الزفاف الفخمة في الفنادق مع ازدهار الاقتصاد.

ولم تسجل اليابان انخفاضًا في أسعار المستهلكين الأساسية منذ خمس سنوات. في المقابل، بدأت الشركات أخيراً تتخلى عن ترددها التقليدي في رفع الأسعار.

فأسعار دخول حمامات السباحة العامة في طوكيو ارتفعت إلى 600 ين، بعدما كانت تقل عن 500 ين قبل سنوات قليلة، كما سترتفع أسعار تذاكر السينما لدى إحدى السلاسل الكبرى من 1800 إلى 2200 ين للمرة الأولى منذ عقدين. وحتى قهوة المتاجر الصغيرة، التي اشتهرت طويلًا بسعر 100 ين، أصبحت ترتفع تدريجيًا مع تراجع الاعتماد على الدفع النقدي.

ومع وصول سعر صرف الين إلى 163 ينًا للدولار، وهو أضعف مستوى منذ عام 1986، ما زال السياح الأجانب يعتبرون اليابان وجهة منخفضة التكلفة، لكن بالنسبة للمقيمين أصبحت الحياة اليومية أكثر كلفة من أي وقت مضى.

ويبقى السؤال: هل يمكن تحديث تقليد «غو-شوجي» نفسه؟ قد يبدو الدفع عبر رموز «كيو آر» حلًا عمليًا يخفف القيود المرتبطة بالنقود الورقية، لكنه لن يحل المشكلة الحقيقية. فالأعراف الاجتماعية لا تتغير بسهولة، ولا توجد جهة تحدد قيمتها كما يحدث في الأسواق. وفي النهاية، يبقى الطرف الأقل قدرة على فرض «السعر الجديد» هو العروسان.

ولهذا، لا يجد كثير من الأزواج أمامهم سوى خفض النفقات، سواء بالاستغناء عن بعض الخدمات الاختيارية مثل التصوير الاحترافي أو بتقليص قائمة المدعوين. لذلك، إذا لم تصل دعوة إلى حفل زفاف كنت تتوقع حضوره، فلا تعتبر الأمر شخصيًا… فقد يكون التضخم هو من حذف اسمك من القائمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *