الرقص بشرف: كيف تدرك القبائل ما لا يدركه الحضر

نسعى في ما يلي إلى استعراض أدوات الأنثروبولوجيا لفكّ شيفرة ظاهرة الرقص الجماعي داخل بعض المجتمعات القبلية، مع تجنّب أي تعميمات أو أحكام مسبقة على أي مجموعة بشرية. ما يُطلق عليه الفولكلور ليس مجرد تعبير فني حر، بل يتجسد في أساليب جماعية لاستعمال الجسد، تُنظمها التربية والعادات والهيبة، كما يشير الأنثروبولوجي الفرنسي مارسيل موس، مؤكدًا أن هذه الظاهرة لا تُعَد فنًا بحد ذاته، بل نظامًا اجتماعيًا مقننًا.
الرقص كطقس جماعي وليس فعلاً فرديًا
أول ما يجب الإحاطة به هو أن الرقص الجماعي في أغلب الثقافات لا يُعد فعلًا انفراديًا، بل هو طقسٌ جماعي. وعلى عكس الرقص الفردي الذي يهدف إلى إظهار الجسد، يهدف هذا الطقس إلى إظهار الهوية المشتركة. لذا عندما نشاهد نساءً ورجالًا من قبائل كردية أو شركسية أو قوقازية يتحركون في دائرة موحدة، لا نرى اختلاطًا بمعناه الاجتماعي الحديث، بل نلاحظ جسدًا جماعيًا واحدًا يتحرك على إيقاع موحد، كما لو أن القبيلة تحولت إلى كائن موحّد له نبضة واحدة.
تحوّل الهوية الفردية إلى جسد قبلي موحد
هذا النوع من الرقص يُعد طقسًا يندمج فيه الأفراد في هوية جماعية، فيُعاد تشكيل الجسد باعتباره جزءًا من الكل الاجتماعي للقبيلة. في هذا الإطار تُعطَّل الهويات الجندرية اليومية، فلا يُنظر إلى المشاركين كذكور أو إناث، بل كأعضاء في جسد جماعي يُنظِّم حركته الأعراف والهيبة والتقاليد. الفولكلور المختلط يتحول إلى «زمن رمزي» يخص الجماعة أو القبيلة، وليس إلى «زمن اجتماعي» يخص الحياة اليومية.
الغيرة الشرفية مقابل الغيرة الجسدية
تُعزى الغيرة الشديدة التي تُظهرها هذه المجتمعات إلى شرف جماعي للقبيلة، وليس إلى غيرة جسدية فردية. يمكن التفريق بين نوعين من الغيرة: الأولى هي الغيرة الجسدية، ذات طابع رومانسي وشخصي، والثانية هي الغيرة الشرفية، التي تتعلق بالسمعة والكرامة والاسم والمكانة الجماعية. في بعض المجتمعات لا يُنظر إلى الشرف كملكية فردية، بل كـ«رأس مال رمزي» للقبيلة بأكملها. لذا يمكن للمرأة أن تشارك في الطقوس الجماعية للقبيلة دون أن يُعَد ذلك انتهاكًا للشرف، لأن الطقوس نفسها مؤطرة ثقافيًا وتحرسها الرموز الجماعية.
النظام المزدوج للمعايير بين الطقوس والزمان
الغيرة الشرفية لا تُمارس داخل الطقوس التي تحددها القبيلة، بل تظهر في العلاقات الخاصة وخارج الاحتفالات العامة، في «الزمن الاجتماعي» للحياة اليومية، وليس في «الزمن الرمزي» الخاص بالفولكلور القبلي. لذلك لا يتعارض وجود امرأة ترقص في دائرة جماعية مع غيرة رجل تجاهها في سياق فردي؛ فالمناسبة الجماعية تُعيد تشكيل الأدوار وتُزيل الفروقات الجندرية لتخلق جسدًا كبيرًا يمثل الجماعة.
يمكن الرجوع إلى كتاب إميل دوركهايم «الأشكال الأولية للحياة الدينية» لفهم أن الطقوس الجماعية تولّد حالة من «الحماس المشترك» لدى روح القبيلة، حيث تتلاشى الحدود الفردية لصالح طاقة جماعية لا تُقاس بمعايير الأخلاق الفردية. وهذا ما يلاحظه الباحثون في الرقصات الكردية والقوقازية وغيرها من طقوس القبائل.
إذن، ما يُصوَّر ليس مجرد «رقص»، بل هو حماس جماعي؛ ولا يُعَد «اختلاطًا» بالمعنى الحضري، بل هو تجسيد لهوية قبيلة موحدة؛ ولا يُنظر إلى الجسد كفرد، بل كرمز للجماعة.
النظام المزدوج للمعايير يمتد عبر قرون، إذ يجمع بين معيار جماعي للهوية يشمل الرقص والاحتفال والفرح، ومعيار فردي يُطبَّق على السلوك الخاص مثل الغيرة والسمعة والكرامة. هذا النموذج ليس مقتصرًا على الأكراد فقط؛ بل يتواجد في ثقافات متعددة تمتد من جبال جنوب أوروبا إلى القوقاز والبلقان، ومن جبال الأطلس إلى جبال زاغروس.
ما حدث للفولكلور في ظل ما يُسمى بالصحوة يوضح كيف يمكن لإيديولوجيات جديدة أن تمزق الطقوس الجماعية وتعيد تعريف الشرف بطريقة قسرية. عندما سيطرت هذه التيارات على الفولكلور القبلي، سعت لتطويه وفق قيم الدولة الحديثة، فهاجمت مهنًا مثل التمريض والطب والمحاماة للنساء، وتعرضت لانتقادات شديدة. كما استُخدمت آليات مثل نظام الكوتة لتعيين نساء في مؤسسات الدولة، ما أظهر صعوبة بعض الأفراد في استيعاب مفاهيم المواطنة الحديثة التي تقدر الإنجازات الوطنية كالحصول على ميدالية ذهبية في بطولات عالمية.
يتضح أن الطقوس الجماعية للقبيلة، بما تحمله من رموز وهوية وشرف، لم تكن مصدر المشكلة؛ بل كانت محاولة إعادة تعريف الشرف خارج سياقه الثقافي هي التي أحدثت الانقسام، مما أدى إلى تمزيق الفولكلور وإصابة الناس في هويتهم الوطنية، تاركةً وراءها جروحًا لا تلتئم بسهولة.
المقاطع التي تنتشر على وسائل التواصل بين قبائل الأكراد وغيرها لا تُظهر تحررًا أو تناقضًا، بل تعكس ثقافة متكاملة لها منطقها الداخلي الصارم، حيث يُسمح للمرأة بأن تكون جزءًا من الجسد الجماعي للقبيلة، وفي الوقت نفسه تُحافظ على حمايتها في الفضاء الفردي. هذا التوازن، وإن بدا غريبًا للعيون الحضرية، يُظهر انسجامًا داخل نظام ثقافي لا يزال يعمل بقوة في ظل العولمة.
من تخلى عن فولكلوره الأصلي وتشتت في مفاهيم المواطنة الحديثة، يواجه الآن صعوبات التأقلم مع متطلبات العولمة، مع فقدان واضح لبوصلة القيم والأخلاق. لذا لا يجوز الخلط بين حرمة الجسد داخل القبيلة وخارجها، ولا بين الفولكلور الذي تحافظ عليه القبيلة كتراث إنساني محترم، وبين الرقصات التي تُستَهبّ وتُهملها معظم شعوب العالم.



