الرئيسيةعربي و عالميالغزو غير المرئي: عندما تستهدف الحروب...
عربي و عالمي

الغزو غير المرئي: عندما تستهدف الحروب العقول بدل الأراضي

19/06/2026 21:00

الحرب المعرفية ومجالاتها الجديدة

يتساءل كثيرون ما إذا كانت قواعد النزاع قد تغيرت أم أننا أمام شكل جديد من الصراع يستغل العلوم السلوكية والمعرفية للوصول إلى عقول الناس. لم تعد بعض القوات تُكتشف عبر الرادارات التقليدية لأنها لا تتحرك بدبابات أو طائرات أو مسيرات، بل تتسلل إلى مجال الوعي وتهدف إلى إعادة تشكيل طريقة فهم الجمهور للواقع.

الدافع وراء هذه الملاحظة هو إدراكنا بأننا نشهد ظهور أساليب جديدة للاختراق تستهدف وعي الأفراد عبر أدوات معرفية وتقنية معقدة؛ إذ يتابع الناس الإعلام ومنصات التواصل بشكل مستمر وبأغراض متنوعة تشمل طلب الأخبار والمعرفة بالإضافة إلى الترفيه والتفاعل.

وفقًا لتقرير صادر عن مركز الابتكار التابع لحلف الناتو، فإن الفرضية الأساسية ترى أن النزاعات الحالية لم تعد تقتصر على المجالات المعروفة — البر، والبحر، والجو، والفضاء، والفضاء السيبراني — بل امتدت لتشمل حيزًا جديدًا يتمثل في العقل البشري والمجال الإدراكي.

في هذا المجال تُستَخدم العلوم المعرفية — مثل علم النفس، والذكاء الاصطناعي، وعلم الأعصاب — ليس فقط لاختراق البنية التقنية وإنما لاختراق الفرد نفسه، ما يُعرف أحيانًا باختراق الفرد (Hacking the Individual)، بحيث يتحول العقل إلى ساحة صراع رئيسة ويخضع لسيطرة معرفية شاملة؛ ومن هذا المنظور يُرى أن الوعي الجمعي لم يعد مجرد مظهر ثقافي أو فكري أو اجتماعي، بل بات constitutes أول line of defense ضد عمليات تشكيل الإدراك.

تحديات التشبع المعلوماتي والسيادة السردية

الجمهور اليوم لا يعاني بالضرورة من نقص المعلومات بل من غزارتها وتدفقها غير المسبوق؛ هذا التدفق قادر على جذب الانتباه وإعادة توجيهه، وترتيب الأولويات وزيادة الاهتمام بالقضايا الهامشية على حساب الجوهرية، مما يخلق خطر التشبع والمعلومات الزائدة. عندما يتعرض العقل لسيل هائل من الأخبار والصور والانطباعات والتحليلات، قد يفقد القدرة على التوقف والسؤال عن مصدر السردية، ولماذا تظهر الآن، ومن يستفيد من هذا التأويل؛ حينها يظن الفرد أنه يمارس حرية الاختيار بينما في الواقع يتبع مسارًا مفروضًا بشكل طوعي نتيجة هندسة صُممت لتوجيه الانتباه وإخفاء زوايا أخرى من الفهم.

لذلك لم يعد كافيًا أن يصل المواطن إلى المعلومات، بل أصبح الأهم أن يمتلك القدرة على مساءلة مصادرها، وفهم طريقة ترتيبها، والانتباه إلى القوى التي تتحكم في ظهورها واختفائها. المعرفة لم تعد مجرد التقاط واستماع بل أصبحت وعيًا بكيفية صناعة الإدراك ذاته؛ حيث تمثل السيادة الإدراكية حجرًا زاوية أساسيًا للحرية الإدراكية في زمن الخوارزميات، لأنها تمنح الفرد القدرة على أن يكون فاعلًا في تشكيل وعيه، لا مجرد وعاء يتشكل بناء على ما يوضع فيه من وراء الشاشات والأسماء المستعارة.

إن هذه الهندسة المضللة، رغم ضخامتها وتنوع أدواتها، واجهت جماهير عنيدة في الخليج كانت متماسكة بشكل جلي في البنية الجمعية للرأي العام الخليجي. بينما عملت شبكات الحسابات الوهمية والأوكار الإلكترونية المغرضة على افتعال الاختلافات وتضخيمها، وتأجيج التوترات البينية، ومحاولة صناعة كراهية بين شرائح المجتمع الخليجي، جاء التحام الرأي العام الخليجي مع مواقف حكوماته ليشكل، في حد ذاته، خط دفاع أول أمام موجات التفتيت المنهجي.

يبدو أن محاولة زعزعة التماسك الداخلي لم تكن هامشًا عرضيًا في هذا الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران من جهة أخرى، بل هدفًا إستراتيجيًا مقصودًا يُقرأ في سياق أوسع يسعى إلى منع تشكل موقف شعبي ورسمي موحد تجاه القضايا الخليجية الكبرى، وفي مقدمتها الوحدة الخليجية والمصير المشترك الذي بقي ثابتًا وسيظل كذلك لأن السيادة الإدراكية التي تحافظ عليها دول الخليج في مواجهة هذه الحرب تشمل أبعادًا عدة، من أهمها السيادة السردية.

السيادة السردية هي قدرة الدولة والمجتمع على صياغة روايتهما الوطنية بوضوح ومصداقية، داخليًا وخارجيًا؛ وقد تجلّى ذلك في التفاف الجماهير الخليجية حول قياداتها ودعمها لمواقفها، انطلاقًا من الثقة بهذه القيادات وبقدرتها على التعبير عن المصالح الوطنية والخليجية.

الحماية الوطنية للسيادة الإدراكية

لكن هذه السيادة السردية لا تكفي وحدها ما لم تُدعَم بوعي معرفي وسلوكي يعزز السيادة الخوارزمية، وهي ربما الأخطر في وقتنا الراهن. السيادة الخوارزمية التي يكون الهجوم من خلالها تعني فهم الطريقة التي تحدد بها خوارزميات المنصات الرقمية ما يراه المواطن، وما يُحجب عنه، وما يُعاد تكراره أمامه حتى يبدو كأنه حقيقة عامة أو أولوية ملحّة. ومن دون هذا الفهم، يمكن استغلال نقاط الضعف الإدراكية لدى الجماهير، والتحكم في الانتباه العام، وتغذية الشائعات، وصناعة قوالب ذهنية جاهزة يصعب الخروج منها.

لذلك فإن حماية السيادة الإدراكية لم تعد جانبا معرفيا هامشيا بل ضرورة وطنية ومجتمعية ملحة، وهي تبدأ بتعزيز التفكير والوعي، وتعرية الشائعات، وبناء قدرة جماعية على فهم السياقات لا الاكتفاء بالانفعالات اللحظية. الغزو الذي لا تراه الرادارات قد يكون أخطر من الغزو المرئي؛ لأنه لا يحتل الأرض أولًا، بل يحاول احتلال المعنى، وإعادة تشكيل الجماهير من الداخل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *