الرئيسيةعربي و عالميتحولات جيوسياسية بين أوروبا وحلف الناتو...
عربي و عالمي

تحولات جيوسياسية بين أوروبا وحلف الناتو في ظل سياسات ترامب المتقلبة

20/06/2026 23:00

تشهد الساحة الدولية اليوم تغيرات ملحوظة، إذ لم تعد أوروبا تُنظر إليها ككيان تابع للولايات المتحدة بلا مقاومة، بل باتت تتمتع بقدرة أكبر على التعبير عن مصالحها وتحدي السياسات الأمريكية المتقلبة. فقد أدت تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وإجراءات إدارته غير المتوقعة إلى كشف هشاشة الاعتماد الكامل على واشنطن، ما دفع بروكسل إلى مراجعة استراتيجياتها الأمنية والسياسية.

تآكل الثقة بين القارتين

أدت الخلافات المتصاعدة إلى إضعاف الروابط التاريخية التي جمعت أوروبا وأمريكا. حاول القادة الأوروبيون، الذين لطالما وُصفوا بأنهم حلفاء ثابتون للولايات المتحدة، أن يتعاملوا مع ترامب بأسلوب المجاملة، غير أن ذلك لم ينسق مع{*} مواقف الرئيس التي أظهرت تعصبا واضحا تجاه القارة العجوز.

اختلافات جوهرية في السياسات الدولية

من النزاع الإيراني إلى الأزمة الأوكرانية، مروراً بقضايا السلام في الشرق الأوسط ومسائل الهجرة والإرهاب وتحديات المناخ، تظهر الفجوة بين واشنطن وبروكسل ليس فقط في أساليب التعامل بل في الأساسيات. تتباين التساؤلات حول من يملك الصلاحية للتدخل، وكيفية ذلك، وأسباب ذلك.

الموقف الأمريكي لا يُعزى إلى حذر استراتيجي فحسب، بل يُنظر إليه من قبل بعض المسؤولين الأوروبيين على أنه تقصير وشراكة غير متوازنة. وأعلن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث، في تصريح له يوم الخميس، عن بدء مراجعة جديدة لتوزيع القوات الأمريكية داخل القارة، محذرا من إمكانية تعليق دفع بعض المستحقات المخصصة لحلف الناتو.

توتر العلاقات في قمة السبع

أثار هجوم ترامب المتكرر على زعماء أوروبا خلال قمة مجموعة السبع استياءً واسعاً، خاصةً بعد سخرية صريحة من رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني، التي ادعى أنها “توسلت إليه لالتقاط صورة” خلال الاجتماع. هذا التصرف عزز من تصور القادة والمحللين الأوروبيين أن فريق ترامب ينظر إلى حلفائه التقليديين بنظرة متعالية.

نحو استقلال أوروبي استراتيجي

تجسد الخلافات الأخيرة بين ميلوني، التي اعتُبرت في أحيان سابقة صوت واشنطن داخل بروكسل، وصوت ترامب ما يُسمى بـ”همسة ترامب في أوروبا”. هذا الصراع يعكس سعي أوروبا إلى وضع حد للسياسات الأمريكية المتسلطة والابتعاد عن نموذج “بيت الطاعة”.

إن سياسات الإدارة الأمريكية التي سعت إلى إجبار الدول الأوروبية على الانصياع أدت إلى رد فعل عكسي، حيث تسارع العواصم الأوروبية في مساعي الانفصال المالي والاقتصادي، وتكثيف برامج “الاستقلال الاستراتيجي” لتقليل الاعتماد العسكري والتقني على الولايات المتحدة. وقد برزت قدرة أوروبا على مواجهة الضغوط حين واجهت طلب ترامب بضم جزيرة غرينلاند الدنماركية، فاعتمدت على موقف موحد وحازم.

تتزايد الدعوات داخل أوروبا لإعادة تقييم الاعتماد الاستراتيجي على الولايات المتحدة، والعمل على بناء نهج أمني أكثر استقلالية. تسعى بروكسل إلى تطوير قدرة ذاتية تدريجية على الصعيدين الاقتصادي والعسكري والتقني، لضمان حماية مصالحها وتحمل مسؤولية أمنها دون الاعتماد المفرط على واشنطن.

مع ذلك، لا يزال مسار الانفصال في مراحله الأولية، ويتطلب سنوات طويلة قبل أن يتمكن التحالف من الحد من الاعتماد على التكنولوجيا والدعم العسكري الأمريكي. تشمل الإجراءات الحالية حظر استخدام منصات مؤتمرات الفيديو الأمريكية وتطوير بدائل أوروبية، إلى جانب تنويع مصادر الطاقة وتطوير مشروع اليورو الرقمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *