الرئيسيةعربي و عالميبين العدالة والانتقام: كيفية حماية حق...
عربي و عالمي

بين العدالة والانتقام: كيفية حماية حق الضحايا في سوريا

22/06/2026 07:00

تجددت المظاهرات في عدة مناطق سورية، شملت دير الزور وريف دمشق وحلب وإدلب، ولم تكن مجرد ردود فعل عابرة. خلف هذه التجمعات عائلات تبحث منذ سنوات عن أبنائها المفقودين، وأمهات لا يعلمن مكان دفن أولادهن، وآلاف لا يزالون ينتظرون إجابة واضحة حول مصير أحبائهم. وعلى الرغم من مرور أكثر من عام ونصف على سقوط نظام الأسد، يشعر الكثيرون أن العدالة لم تصل بعد إلى المستوى المطلوب لتتناسب مع حجم المأساة التي مرت بها البلاد.

حجم المأساة وتطلّب المحاسبة

ليس من الغريب أن يشعر السوريون بهذه الغيرة، فهم لا يتحدثون عن أعداد محدودة بل عن آلاف الضحايا، المفقودين، والمسجونين، إضافة إلى إرث من الانتهاكات يمتد لعقود. لذا فإن المطالبة بالمحاسبة لا تقتصر على أبعاد سياسية، بل تتعدى إلى منطلق أخلاقي وإنساني.

خطورة الانتقام الفردي

تكمن المشكلة عندما يتحول الغضب الجماهيري إلى وسيلة لتحقيق العدالة بصورة فردية. عندما يقرر الشارع هوية المتهم، يصدر الحكم وينفذ العقوبة، تتحول القضية من إطار العدالة إلى فوضى محتملة. قد يراها البعض انتصاراً للضحايا، لكنها في الواقع تُهدد تحويل حق مشروع إلى فوضى مفتوحة، وتمنح الآخرين لاحقاً صلاحية ممارسة العدالة وفق تقديراتهم الشخصية.

موقف وزارة الداخلية

أوضحت وزارة الداخلية في الأيام الأخيرة أن مسؤولية المحاسبة تقع على عاتق الدولة ومؤسساتها، وأن ملاحقة المتورطين في جرائم النظام السابق مستمرة، مع رفض أي ممارسات انتقامية خارج نطاق القانون. وفي مؤتمر صحفي للمتحدث باسم الوزارة، تم التأكيد على أن العدالة لا تُبنى على الانفعال أو الثأر، بل يجب استعادة حقوق الضحايا عبر القضاء والأدلة، لا عبر الشائعات أو الفوضى.

بيانات الوزارة الصادرة الأسبوع الماضي أظهرت أن عملية الملاحقة خلال عام ونصف أسفرت عن اعتقال أكثر من 3500 مسؤول عسكري، بالإضافة إلى إلقاء القبض على مسؤولين متهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق السوريين، وتفكيك خلايا مرتبطة بالنظام السابق كانت متهمة بأعمال أمنية استهدفت المدنيين.

التحديات التي تواجه سير العدالة

يظل السؤال المطروح من قبل كثير من السوريين هو سبب بطء مسار العدالة. لا تُعجب الضحايا الإجابة، لكنها تعكس حقيقة أن العدالة الانتقالية لا تتماشى مع إيقاع الأحداث السياسية ولا تُقاس بسرعة وسائل التواصل الاجتماعي. فهي عملية طويلة تتطلب جمع الأدلة، الاستماع إلى الشهادات، التحقيق في آلاف الملفات، وضمان محاكمات عادلة لا تُترك مجالاً للشك.

تجارب دولية توضح حجم التحدي. ففي رواندا، انتهت الإبادة الجماعية عام 1994 بعد مقتل أكثر من 800 ألف شخص خلال حوالي مئة يوم، لكن المحكمة الجنائية الخاصة برواندا لم تبدأ محاكماتها الفعلية إلا بعد سنوات، واستمرت حتى عام 2015، أي أكثر من عشرين عاماً. أما في يوغسلافيا السابقة، فقد اندلعت الصراعات عام 1991، وأُنشئت محكمة خاصة بجرائم الحرب عام 1993، لكنها أغلقت أبوابها في نهاية عام 2017، أي بعد 24 عاماً من العمل القضائي.

هذه الفترات الطويلة لا تعكس تقصيراً، بل تدل على أن العدالة الحقيقية تحتاج إلى وقت لتجميع الأدلة والوثائق والشهادات وإجراء تحقيقات دقيقة.

خصوصية الوضع السوري

تتسم الحالة السورية بتعقيد أكبر مقارنة بتلك التجارب. إلى جانب العدد الضخم من الضحايا والمفقودين، تمتد الانتهاكات لعقود تشمل القتل، التعذيب، الإخفاء القسري، التهجير، الحصار وغيرها من الجرائم التي تتطلب توثيقاً, تحقيقاً, ومحاسبةً شاملة. لذا لا يكفي اختزال العدالة في اعتقال شخص أو آخر؛ فالمطلوب هو إنصاف شامل يلبي طموحات السوريين.

ما تحتاجه سوريا الآن ليس التراجع عن مطلب المحاسبة، بل تسريع عملية العدالة الانتقالية، إقرار التشريعات اللازمة، تعزيز قدرات المؤسسات المختصة، وإشراك الضحايا في هذه العملية. كما يجب بناء ثقة عامة في قدرة القانون على الوصول إلى الجناة مهما طالت المدة.

بعد سنوات من العيش في نظام كان القانون فيه أداة للسلطة، يتطلع السوريون الآن إلى بناء دولة يُصبح فيها القانون مرجعاً للجميع، لا استبدال ظلم قديم بفوضى جديدة.

قد تتأخر العدالة ولا تصل بالسرعة التي يرغب فيها الضحايا، لكن التجارب تُظهر أن العدالة المبنية على القانون تدوم، بينما تلك المبنية على الغضب تتحول سريعاً إلى موجة جديدة من الظلم والعنف.

السؤال الآن هو كيف يمكن تحقيق المحاسبة بطريقة تحمي حق الضحايا وتضمن قيم العدالة دون الوقوع في فخ الانتقام. في هذه المعادلة، يصبح القانون ليس عائقاً أمام العدالة، بل شرطاً أساسياً لتحقيقها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *