نحلة روبوتية تُطيل زمن الطيران إلى 17 دقيقة فتفتح آفاق التلقيح الرقمي

أعلنت مجلة “ساينس روبوتيكس” عن إنجاز تقني غير مسبوق حققه باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT). فقد تمكنت “نحلة اصطناعية” متناهية الصغر من البقاء في الهواء لمدة سبعة عشر دقيقة متواصلة، متجاوزة بذلك جميع الأرقام القياسية السابقة التي كانت لا تتجاوز ثوانٍ معدودة. ويُعتبر هذا النجاح خطوة أساسية نحو عصر جديد من التلقيح الآلي للمحاصيل والمراقبة البيئية الدقيقة باستخدام آلات لا يتجاوز وزنها وزن مشبك الورق.
اختبار للأعصاب وتحكم دقيق
لم تقتصر التجربة على إظهار القدرة التقنية فقط، بل وصفت بأنها “أبطأ ثوانٍ في حياتهم” من قبل الباحثين الذين راقبوا آلة لا يتجاوز وزنها وزن مشبك ورق وهي تؤدي حركات بهلوانية وترسم حروفًا بدقة متناهية في الهواء، دون أن تفقد توازنها أو تنهار محركاتها المجهرية.
تبسيط التصميم لتفادي التداخلات الهوائية
سعى المهندسون لسنوات إلى محاكاة حركات الحشرات بزيادة عدد الأجنحة لضمان الاستقرار، حيث استندت النسخ السابقة إلى ثمانية أجنحة مرتبة في إطار مستطيل. لكن الفريق بقيادة البروفيسور كيفن تشين لاحظ أن كثرة الأجنحة تخلق تداخلات هوائية سلبية؛ فكل جناح يدفع الهواء باتجاه الآخر، مما يقلل من قوة الرفع الكلية ويستنزف الطاقة.
توصلوا إلى حل عبر “العودة إلى البساطة” بتقليل عدد الأجنحة إلى النصف، بحيث يُخصص جناح واحد لكل وحدة من الوحدات الأربع ويُوجه إلى الخارج. هذا التعديل ساهم في تثبيت تدفق الهواء وزيادة قوة الرفع بشكل ملحوظ، كما وفر مساحة داخلية تُستغل مستقبلاً للبطاريات وأجهزة الاستشعار الذكية.
كما تم تطوير مفاصل مجهرية بقطر 200 ميكرون باستخدام تقنيات القطع الليزري الدقيقة، وهي قوية بما يكفي لتحمل ترددات الخفقان العالية دون أن تنحني أو تفقد كفاءتها.
أداء مدهش ومهارات مناورية
لم يقتصر نجاح النحلة الروبوتية على القدرة على البقاء عالقة في الهواء، بل شمل أيضًا قدرات مناورية فائقة. خلال التجارب سجل متوسط سرعة الروبوت 35 سنتيمترًا في الثانية، مع إمكانية تنفيذ “قلبات جوية” مزدوجة بمرونة تقارب ما تفعله الحشرات الحقيقية. كما استطاع الروبوت رسم مسارات هندسية معقدة، مثل حروف اسم المعهد “MIT”، بدقة تُظهر فعالية ناقلات الحركة الجديدة التي ضاعفت عزم التحكم ثلاث مرات.
تعتمد هذه الحركات على “عضلات اصطناعية” مرنة تستجيب للنبضات الكهربائية بسرعة هائلة، مما يسمح للأجنحة بالخفقان مئات المرات في الثانية الواحدة. وعلى الرغم من هذا التقدم، أقر الباحثون بأن الطريق لا يزال طويلاً لمحاكاة “النظام العضلي” للنحلة الطبيعية، الذي يتميز بقدرة فورية على تعديل الوضع لمواجهة الرياح أو العوائق. ويسعى الفريق إلى دمج خوارزميات الذكاء الاصطناعي في نظام التحكم لتقليد هذه القدرة.
آفاق مستقبلية لتقنية التلقيح الرقمي
تأتي هذه الإنجازات في إطار رؤية تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي العالمي، خاصةً مع تراجع أعداد النحل الطبيعي نتيجة التغيرات المناخية. تُعد “النحل الاصطناعي” بديلاً استراتيجيًا لتلقيح المحاصيل في المزارع العمودية والبيوت الزجاجية المتقدمة. يخطط الفريق لرفع مدة الطيران إلى 10,000 ثانية، مع دمج بطاريات مجهرية تجعل الروبوت مستقلًا عن أي مصدر طاقة خارجي.
في السنوات الخمس القادمة سيُركز البحث على تزويد هذه الحشرات الآلية بأجهزة استشعار بصرية متناهية الصغر، تُعرف بـ “الأعين”، لتتمكن من الهبوط بدقة داخل أزهار واحدة وتنفيذ عملية التلقيح. يرى الخبراء أن نجاح المشروع قد يؤدي إلى تشغيل “خلايا نحل ميكانيكية” تعمل على مدار الساعة، مما يضمن استمرارية الإنتاج الزراعي في البيئات المغلقة، ويقلل من التكاليف البيئية ويزيد من كفاءة المحاصيل في ظل ضغوط سكانية متزايدة.



