الرئيسيةاقتصادحظر الهند لتصدير السكر يثير مخاوف...
اقتصاد

حظر الهند لتصدير السكر يثير مخاوف من تقلبات أسواق الحلوى العالمية

23/05/2026 19:00

عاد السكر إلى بؤرة القلق العالمي بعد قرار الهند، ثاني أكبر منتج للسكر في العالم، حظر صادراته حتى نهاية سبتمبر 2026، في خطوة أربكت سوقاً شديدة الحساسية للطقس والطاقة واضطرابات التجارة بفعل حرب إيران.

الحظر الهندي وتأثيره على الأسواق

القرار يتجاوز حدود الهند، إذ يتزامن مع ارتفاع تكاليف الأسمدة والشحن، وتزايد المخاوف من نقص الإمدادات خلال موسم قد يشهد عجزاً عالمياً. وبين احتياجات كبار المستوردين في المنطقة، وقدرة البرازيل وتايلاند على تعويض جزء من الفجوة، يظل السؤال الأبرز: هل يقف العالم أمام أزمة سكر جديدة؟

بحسب تقرير «السكر: الأسواق والتجارة العالمية» الصادر عن وزارة الزراعة الأمريكية في ديسمبر 2025، تأتي الجزائر والسعودية في صدارة مستوردي السكر في المنطقة خلال موسم 2024 – 2025. فقد بلغت واردات الجزائر 2.245 مليون طن في 2024 – 2025 ارتفاعاً من 2.034 مليون طن في 2023 – 2024 مع توقعات بوصولها إلى 2.25 مليون طن في 2025 – 2026. أما السعودية، فسجلت واردات بلغت 2.24 مليون طن في 2024/25، مقابل 1.982 مليون طن في 2023/24، في حين يُتوقع أن تنخفض وارداتها خلال موسم 2025/26 إلى 2.055 مليون طن.

كما أظهر التقرير أن المغرب استورد 1.89 مليون طن في 2024/25، مقارنة بـ1.701 مليون طن في 2023/24، مع توقعات بتسجيل 1.803 مليون طن في 2025/26. وفي مصر، بلغت الواردات 1.26 مليون طن في 2024/25، انخفاضاً من 1.96 مليون طن في 2023/24، ويُتوقع أن تواصل تراجعها إلى 1.06 مليون طن في موسم 2025/26.

القيود التصديرية العالمية واتجاهات الأسعار

والهند ليست الدولة الوحيدة التي لجأت إلى تقييد صادرات السكر، بل هناك حالات عدة ترتبط بأسباب مختلفة. فعلى سبيل المثال، فرضت مصر حظراً على التصدير لثلاثة أشهر في مارس 2023 بهدف حماية السوق المحلية، قبل تمديده عدة مرات حتى يناير 2026. وفي مايو 2026، مددت القاهرة الحظر مجدداً لثلاثة أشهر إضافية لضمان توافر الإمدادات والحفاظ على المخزون الاستراتيجي، مع السماح فقط بتصدير الكميات الفائضة بعد موافقة حكومية.

وفرضت روسيا أيضاً قيوداً على صادرات السكر، إذ حظرت تصدير السكر الأبيض والخام بين مارس وأغسطس 2022 في ظل أزمة ارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات بعد الحرب والعقوبات، ثم أعادت فرض حظر مؤقت جديد على صادرات السكر والسكروز في مايو 2024 وحتى نهاية أغسطس 2024.

كذلك، حظرت الجزائر في مارس 2022 تصدير عدد من السلع الغذائية المستوردة، بينها السكر والزيوت النباتية ومشتقات القمح، بهدف حماية الإمدادات المحلية بعد اضطرابات أسواق الغذاء العالمية إثر حرب أوكرانيا، ما دفع لبنان لاحقاً لطلب استثناء وارداته من السكر من القرار الجزائري.

وحتى منتصف مايو 2026، كانت أسعار السكر العالمية عالقة بين مسارين متعاكسين: اتجاه هبوطي وضغوط صعودية بدأت تظهر بعد قرار الهند حظر الصادرات. فبحسب بيانات البنك الدولي لأسعار السلع في مايو 2026، تراجع السعر العالمي للسكر من متوسط 0.52 دولار للكيلوجرام في 2023 إلى 0.45 دولار في 2024، ثم إلى 0.37 دولار في 2025. واستمر الهدوء النسبي خلال 2026، إذ بلغ السعر 0.32 دولار في الربع الأول، وسجل 0.31 دولار في فبراير، و0.33 دولار في مارس، ثم 0.32 دولار في أبريل.

ويؤكد مؤشر أسعار السكر لدى منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» الاتجاه نفسه، بعدما انخفض في أبريل إلى 88.5 نقطة، بانخفاض قدره 4.3 نقاط (أي ما يعادل 4.7%) على أساس شهري، و23.8 نقطة (21.2%) على أساس سنوي، بدعم توقعات وفرة الإمدادات وتحسن آفاق الإنتاج في الدول الآسيوية الرئيسة المنتجة للسكر، خاصة الصين وتايلاند. إضافة إلى بدء موسم الحصاد في جنوب البرازيل وسط ظروف مناخية مواتية.

لكن هذا الهدوء السعري بدأ يتعرض لاختبار حقيقي بعد قرار الهند، ثاني أكبر مصدر للسكر بعد البرازيل، حظر الصادرات حتى نهاية سبتمبر 2026، بعدما سمحت سابقاً بتصدير 1.59 مليون طن. وجاء التحول مع مخاوف من تراجع الإنتاج عن الاستهلاك المحلي للعام الثاني، وضغوط مرتبطة بظاهرة «إل نينيو». فور قرار الهند، صعدت عقود السكر الخام في نيويورك بأكثر من 2%، وقفزت عقود السكر الأبيض في لندن بنحو 3%، بحسب «رويترز». وهذا لا يعني بالضرورة أن العالم دخل أزمة سعرية ممتدة، لكنه يشير إلى أن السوق أصبحت أكثر حساسية لأي نقص في الإمدادات القابلة للتصدير، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة والشحن المرتبطة بالحرب واضطرابات الممرات التجارية.

ويحوم سعر السكر الأبيض العالمي قرب 437 إلى 446 دولاراً للطن المتري في تداولات بورصة لندن، في حين يعادل سعر السكر الخام الأمريكي نحو 324 إلى 331 دولاراً للطن تقريباً وفق أسعار العقود الآجلة الحالية.

البدائل المحتملة ودور الإمارات

وتظل البرازيل الخيار الأهم لتعويض أي نقص في صادرات السكر الهندية، إذ تستحوذ على نحو 54% من الصادرات العالمية، مع توقعات وزارة الزراعة الأمريكية بوصول صادراتها إلى 35.7 مليون طن في موسم 2025/2026. وتُعدّ مصر والسعودية ونيجيريا والجزائر من أبرز الأسواق المستقبلة للسكر البرازيلي، مستفيدة من قدرة البرازيل التصديرية وبنيتها اللوجستية القوية.

لكن قدرة البرازيل على سد الفجوة ليست مفتوحة بلا حدود، إذ يظل التنافس بين إنتاج السكر والإيثانول عاملاً حاسماً في توجيه محصول قصب السكر. فمع ارتفاع أسعار النفط وزيادة معدلات مزج الإيثانول محلياً، قد تتجه المصانع إلى تخصيص كميات كبرى لإنتاج الوقود الحيوي بدلاً من السكر، كما تشير بعض التوقعات إلى احتمال تراجع إنتاج وصادرات السكر البرازيلي في موسم 2026/2027، ما يجعل البرازيل البديل الأول للهند، لكنها ليست ضمانة كاملة لاستقرار السوق.

كذلك، تعد تايلاند البديل الآسيوي الأقرب لتعويض جزء من غياب السكر الهندي، خصوصاً في أسواق مثل الصين وبنغلاديش والسعودية. ووفق تقديرات وزارة الزراعة الأمريكية، يتجه إنتاجها للارتفاع إلى نحو 10.25 ملايين طن في موسم 2025/2026، مدعوماً بتحسن محصول القصب واستقرار السياسة التصديرية.

تملك تايلاند أفضلية واضحة في الأسواق الآسيوية بفضل قربها الجغرافي، وانخفاض زمن الشحن مقارنة بالبرازيل، إلى جانب جاهزية بنيتها التصديرية. كما سبق أن استفادت من قيود الهند في موسم 2022/2023، عندما زادت شحناتها إلى أسواق تضررت من تراجع الإمدادات الهندية. لذلك فإنها تبدو خياراً عملياً ومباشراً لآسيا، لكنها لا تمتلك وحدها القدرة على تعويض الفجوة الهندية كاملة.

في الوقت نفسه، تؤدي الإمارات دوراً محورياً في سوق السكر الإقليمية، ليس كونها منتجاً زراعياً، بل مركز للتكرير وإعادة التصدير. وتبرز دبي عبر مصافي السكر في جبل علي، التي تستورد الخام، خصوصاً من البرازيل، ثم تعيد تصديره سكراً أبيض مكرراً إلى أسواق مثل إيران والعراق واليمن والسعودية ودول آسيوية، في حين يذهب جزء منها للاستهلاك المحلي. وهذا يعني أن الإمارات لا تنافس البرازيل أو تايلاند كمصدر إنتاج، لكنها تعمل كبوابة تجارية ولوجستية لتحويل السكر الخام إلى سكر مكرر وتوجيهه إلى أسواق المنطقة.

وفي ضوء المعلومات السابقة، لا يقف العالم بالضرورة أمام أزمة نقص حاد في السكر، لكنه يواجه خطر موجة جديدة من اضطراب الأسعار والتجارة. فقرار الهند، ثاني أكبر منتج للسكر وأكبر مُصدر بعد البرازيل، يقلص الإمدادات المتاحة من آسيا، في حين تزيد الحرب تكاليف الشحن والطاقة والتأمين. وفي حال لم تنجح البرازيل وتايلاند في تعويض الكميات الهندية بالسرعة الكافية، فقد ينتقل الضغط من نقص محدود في الإمدادات إلى موجة أوسع من ارتفاع الأسعار؛ إذ سيواجه المستوردون منافسة كبرى على الشحنات البديلة، وتكاليف عليا للنقل والتأمين، خصوصاً في الأسواق الأكثر اعتماداً على السكر الخام والمكرر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *