الرئيسيةعربي و عالميإعادة تعريف العولمة: كيف تحوّل الولايات...
عربي و عالمي

إعادة تعريف العولمة: كيف تحوّل الولايات المتحدة الانفتاح إلى أمان

25/06/2026 05:00

من العولمة الاقتصادية إلى الهندسة الأمنية

وقف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت أمام النادي الاقتصادي في نيويورك ليلقي كلمة تشابه النعي لمفهوم “العولمة” الذي هيمن على العقود الثلاثة الماضية. وأشار إلى أن الوعود التي رافقت تلك الفترة – سلع أرخص واندماج أعمق يؤدي إلى ثراء وأمان أكبر – لم تتحقق كما كان متوقعًا. ولفت إلى أن صنّاع السياسات أخطأوا حين افترضوا أن انخفاض الأسعار سيُعوّض عن تراجع القدرة الإنتاجية.
ثمّ ألقى بيسنت الجملة التي تلخّص فلسفة المرحلة الجديدة: «الأمّة التي تعتمد على خصومها في المدخلات الحيوية ليست ذات سيادةٍ حقّة، والأمّة التي تختزل اقتصادها في الاستهلاك ليست مزدهرةً حقّاً».
وأوضح أن العولمة لم تختفِ بل انتقلت من يد الشركات والأسواق إلى أروقة الأجهزة الأمنية وصنّاع السياسة، لتصبح مشروعًا يُدار من خلال مخاوف تتعلق بالصين، والحروب، والأوبئة، والمضائق، وانقطاع سلاسل الإمداد.
وأكّد أن هذا التحول ليس مجرد مزاج عابر مرتبط بشخصية معينة، بل نتاج تراكم صدمات أعادت تعريف المقايضة بين الكفاءة والأمان.
كما لفت إلى أن الحزبين السياسيين الأمريكيين المتناوبين على السلطة يتفقان اليوم على نظرة متشائمة للعولمة، فقلق بيسنت، وزير خزانة إدارة جمهورية، يشبه إلى حد كبير القلق الذي عبّر عنه الديمقراطيون سابقًا. ففي عام 2023، انتقد جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي في إدارة بايدن، الاعتقاد السائد بأن الأسواق تخصص رأس المال دائمًا بكفاءة وفعالية، وأن سلاسل الإمداد تبقى صامدة في كل أزمة. وعندما يردد بيسنت اليوم نفس المعنى، يتضح أن الأمر تجاوز شخصيتي ترامب أو بايدن إلى إجماع أمريكي عميق على أن “الانفتاح الاقتصادي غير المشروط صار خطرًا أمنيًا\).

أدوات إعادة التوطين والتجارة الموجهة

لفهم كيفية إعادة تشكيل الاقتصاد، لا بدّ من تفكيك المفاهيم الجديدة التي تقود المشهد، بعيدًا عن لغة مراكز البحث وواقعها. ومن أبرز هذه المفاهيم:
– إعادة التوطين (Reshoring): أي عودة المصانع إلى الوطن حتى لو ارتفعت تكلفتها. ومثال بارز هو قانون الرقائق الأمريكي (CHIPS Act) الذي رصد عشرات المليارات لجذب صناعة أشباه الموصلات إلى الداخل؛ حيث التزمت شركات باستثمارات محلية تفوق 540 مليار دولار في هذا القطاع وحده.
– التجارة في دائرة الأصدقاء (Friend-shoring): يعني التعامل مع الشركاء السياسيين الموثوقين وليس مع من يقدم أقل سعر. وفي هذا السياق تحلّ المكسيك والهند وفيتنام تدريجيًا محل الصين. ووصل هذا التحول إلى ذروته الرمزية في عام 2023 عندما تجاوزت المكسيك الصين لتصبح أكبر مصدّر للسلع إلى الولايات المتحدة، ما يدل على تحوّل كبير في جغرافيا التجارة.
– الارتداد الإقليمي (Near-shoring): يقصد به تقريب سلاسل الإمداد من الأسواق ومناطق النفوذ بدلًا من تركها معلقة في أقصى الأرض.
– نهاية وهم “السلعة الرخيصة”: تلخّص هذه النقطة ما سبق؛ إذ باتت الحكومات الغربية تقبل بإنتاج سلع أعلى تكلفة تصنيعًا مقابل ضمان استمرارها في أوقات الأزمات. ويقدر خبراء أن إعادة التوطين الكامل للصناعات الحرجة قد يضيف ما بين نقطة وثلاث نقاط مئوية إلى أسعار المستهلك في القطاعات المتأثرة.

التأثير على المستهلك والثقافة الرقمية

amid النقاش حول الدول والممرات والمصانع، يغيب غالبًا “البطل الصامت” وهو المستهلك العادي. فهو من سيتحمل في النهاية فاتورة العولمة المروّضة، لأن السلعة الآمنة أغلى بالضرورة من السلعة الرخيصة. عندما تختار الدولة مصنعًا قريبًا وموثوقًا بدلًا من مصنع بعيد وزهيد، يظهر الفارق في أسعار السيارات والهواتف والدواء والغذاء والطاقة. باختصار؛ العولمة القديمة وعدت المستهلك بالسعر الأرخص، بينما العولمة الجديدة تطالبه بدفع “ضريبة الأمان\).
كما أشارت التحليلات إلى أن الجغرافيا لا تزال تلعب دورًا حاسمًاّاسمًا؛ فافتراض أن البحر يبقى مفتوحًا دائمًا وأن السفن تمر بلا عائق وأن المحايدة تسيطر على المضائق لم يعد واقعًا. مضائق مثل هرمز وباب المندب وقناة السويس ومضيق تايوان والبحر الأسود أثبتت أن للجغرافيا كلمة يجب على الاقتصاد أن يسمعها. وقد أصبحت السفينة تسير في واقع يشبه حقل ألغام يمكن أن ينفجر أحده في أي لحظة ويعطل سلاسل الإمداد.
هذا الهاجس من “التركزات الخطرة” و”نقاط الاختناق الأجنبية” ظهر بوضوح في خطاب بيسنت عندما دعا إلى التنويع لتجنب بقاء أمريكا “تحت رحمة نقطة اختناق أجنبية\). والمقصود بناء شبكات إمداد إقليمية أقصر وأكثر أمانًا، تقلل الاعتماد على ممرات بحرية باتت ساحات مفتوحة للصراع. ويحذر اقتصاديون من أن سيناريو حصار صيني لتايوان وحده قد يكلف الاقتصاد العالمي نحو 2.7 تريليون دولار من الخسائر في السنة الأولى فقط، مع العلم أن تايوان تنتج الجزء الأكبر من رقائق العالم المتقدمة.
في سياق الشراكات، تحولت العلاقة مع الولايات المتحدة من تحالف مرن إلى بروتوكول مشروط بامتيازات تجارية واضحة. وعبّر بيسنت عن ذلك بقوله إن الشراكة الاقتصادية مع الولايات المتحدة “باتت تحمل التزامات ومتطلّبات”، مضيفًا بنبرة لا تخلو من تهديد: «تملك الولايات المتحدة أدواتًا كثيرة لمعالجة الممارسات التي تشوّه التجارة وتقوّض المعاملة بالمثل، وسنسعى دوماً إلى استخدامها بحكمة، لكنّنا لن نتردّد أبداً في استخدامها بحزم\).
ومثال حي على هذا المنطق هو الاتفاق الذي وُقّع مطلع عام 2026 بين واشنطن وتايوان، حيث التزمت شركات التقنية التايوانية بضخ استثمارات ضخمة في الداخل الأمريكي مقابل خفض الرسوم الجمركية على صادراتها.
أما على صعيد الثقافة، فإن الدولة تستطيع فرض رسوم جمركية على الرقائق والسيارات والصلب، لكنها تعجز عن وضع تعريفة على الخوارزميات، أو إيقاف مقطع فيديو عند الحدود، أو منع نموذج ذكاء اصطناعي من إعادة تشكيل اللغة والذائقة والوعي. فالحاوية التي تصطدم بالجمارك والحدود السياسية تنتظر التفتيش والتخليص والرسوم، بينما شفرة ذكاء اصطناعي أو مقطع فيديو تعبر القارات في جزء من الثانية.
ومع ذلك، ليس الوضع مطلقًا؛ فالساعين إلى إغلاق الثقافة الرقمية بالكامل يحاولون إعادة توجيهها عبر حظر التطبيقات، وقوانين البيانات، ومفهوم “السيادة الرقمية”، وتوطين مراكز البيانات داخل الحدود. وهكذا فإن الثقافة الرقمية ليست حرة بالكامل، لكنها أعصى على الترويض من السلع المادية.

مسار التطور والآفاق الإقليمية

ما نشهده الآن محطة في مسار طويل تراكمت حلقاته على مدى ثلاثة عقود. بين عامي 1990 و2008 سادت العولمة المتفائلة، حين بدت التجارة الحرة قدرًا لا يُردّ، وصارت الصين مصنعًا للعالم بلا منازع. ثم جاءت الأزمة المالية عام 2008 لتهز الثقة في عصمة السوق وقدرته على تصحيح نفسه. وبحلول 2016، أعلن صعود ترامب لسدة الحكم في البيت الأبيض وتصويت “بريكست” عودة القومية الاقتصادية إلى الواجهة. ومع حلول عام 2020، كشفت جائحة كورونا هشاشة سلاسل الإمداد؛ فإغلاق المصانع الصينية يكفي لتعطيل العالم بأسره. وفي عام 2022 أعادت حرب أوكرانيا الطاقة والغذاء إلى صميم حسابات الأمن القومي. ومنذ عام 2023 وحتى اليوم، تكفّل الذكاء الاصطناعي والرقائق بتحويل التكنولوجيا إلى ساحة صراع سيادي مكشوف، لتكتمل ملامح عالم هاجسه الأمان.
بالنسبة لمنطقتنا، فإن هذه المعادلة تضعنا أمام خيارين: إما أن نعتبرها تهديدًا أو نتعامل معها كفرصة. التهديد يتمثل في تصنيف صادرات المنطقة من النفط والكيماويات والأسمدة ك”تركزات خطرة” يجبر الغرب على تنويع مصادره بعيدًا عنها، ما يضع دول المنطقة أمام اختيار صعب بين الاستثمارات الصينية والشراكات الأمنية الغربية.
أما الفرصة فهي أعمق وأبعد أثرًا؛ إذ تطرح العولمة المروّضة على المنطقة، وخاصّةً دول الخليج التي أظهرت قدرة على تبني رؤى مستقبلية، أسئلةً مصيريةً يجيب عنها فهم العولمة المروّضة التي تحتاج، بطبيعتها، إلى مناطق موثوقة ومستقرة ذات بنية تحتية قوية وموقع جغرافي وسيط. وقد نجحت عدة دول خليجية في تحقيق هذه المواصفات.
وبهذا يتشكّل العالم الجديد كما يريده ترامب؛ قلاع سياسية واقتصادية شبه مغلقة، ومع ذلك مجبرة على التواصل عبر نوافذ تكنولوجية وثقافية لا تقوى على إغلاقها، بعد أن كان الوعد في التسعينيات قرية واحدة منفتحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *