كيف قرأت توتال إشارات حرب إيران وحولت أزمة النفط إلى ربح ملياري

المسافة بين الربح والخسارة الموجئة في أسواق النفط تحكمها القدرة على قراءة الإشارات الغامضة التي تكون أمام الجميع، لكن فئة قليلة فقط من تنتبه لها. وفي الأسابيع التي سبقت اندلاع حرب إيران أواخر فبراير الماضي، التقطت إشارات للحرب قبل أن يصل وميضها إلى الأسواق.
الإشارات المبكرة وقرار توتال
أوضح هذه الصورة ما كشفه الرئيس التنفيذي لشركة “توتال إنرجيز” الفرنسية باتريك بويانيه، الذي نقلت وكالة “رويترز” من حديثه لصحيفة “لوفيغارو” الفرنسية، أن الشركة اتخذت في مارس الماضي قرارها بشراء كميات كبيرة من النفط الخام من الشرق الأوسط، بعد أن لاحظ تجّارها حشدَ البحرية الأمريكية لسفنها قرب الخليج في فبراير الماضي قبل اندلاع الحرب. كانت تلك، باختصار، اللحظة التي تحوّلت فيها إشارة عسكرية صامتة إلى قرار تجاري عاد بمليارات الدولارات.
التأثير على الأسعار والأرباح
ما فعلته “توتال” بعد ذلك وصفه أكاديميون بأنه من أجرأ التحرّكات في تاريخ النفط. فبحسب “فاينانشال تايمز”، اشترت أذرعُ التداول في الشركة نحو 70 شحنة من الخام المنتج في الخليج لتحميلها في مايو الجاري، أي أكثر من ضعف مشترياتها في فبراير. وحقّقت الشركة أرباحاً تجاوزت المليار دولار من شراء النفط في الشرق الأوسط خلال مارس، مع إغلاق الحرب لمضيق هرمز وارتفاع الأسعار لاحقاً بفارق كبير عن أسعار الشراء للعقود الآجلة.
وصف أدي إيمسيروفيتش، المحاضر في أنظمة الطاقة بجامعة أكسفورد، العمليةَ بأنها من أكبر الرهانات التي شهدتها أسواق النفط على الإطلاق. وامتنعت “توتال” عن التعليق على أنشطتها التجارية. وفق تقارير، لم تكتفِ الشركة بالشراء المادّي، بل عزّزت مشترياتها الفعلية بأدوات مالية كالعقود الآجلة والخيارات والمقايضات، لتحتاط للمخاطر وتراهن على ارتفاع الأسعار في آن. وتشير تقارير إلى أن الشركة كانت قد بدأت شراء خام بحر الشمال حتى قبل اندلاع الصراع، ما حدّد المعروض قصير الأجل مسبقاً.
لم يكن ذلك الربح من قبيل المصادفة أو الحظ، بل بسبب خللٍ بنيويّ في طريقة تسعير نفط الشرق الأوسط. ففي الثاني من مارس الماضي، علّقت “إس آند بي غلوبال بلاتس” قبولَ أصناف الخام التي تتطلّب عبور مضيق هرمز، بعد أن أوقفت كبرى شركات الشحن مرورها عبر الممرّ المائي. وبذلك خرج ثلاثةٌ من أصناف الخام الخمسة التي يُحتسب بها المؤشّر من اللعبة.
أدّى ذلك إلى تقليص الخام القابل للتسليم ضمن المؤشّر بنحو 40%. ومع تراجع عدد الأصناف وشحّ السيولة، صار السوق أكثر عرضةً لهيمنة لاعبٍ واحد، وهي الفجوة التي تحرّكت “توتال” لملئها؛ فرغم أن نشاط التداول في مارس زاد بنحو 50% عن الشهر السابق، فإنها وحدها أمّنت ما يكفي من العقود الجزئية لتكوين شحنة كاملة.
انعكس هذا الاختلال على الأسعار بصورة دراماتيكية. فقد قفز سعر خام دبي من نحو 70 دولاراً قبل الصراع إلى ما يقارب 170 دولاراً في ذروته، متجاوزاً بفارقٍ كبير مؤشّراتٍ عالمية مثل برنت الذي ارتفع إلى نحو 120 دولاراً. وكان برنت قد سجّل قفزةً بنسبة 8% بين 27 فبراير و2 مارس، أي في اليوم السابق لبدء العمليات العسكرية وبعدها بيومين، قبل أن يكسر لاحقاً حاجز المئة دولار مع استمرار الصراع.
الصعوبات التي واجهها تجار آخرون
وعلى مستوى نتائج “توتال”، انعكس الرهان ربحيّةً لافتة؛ فقد ارتفع صافي ربح الشركة في الربع الأول بنسبة 51% إلى 5.8 مليارات دولار، مدفوعاً بارتفاع أسعار النفط المرتبط بالحرب، ما استدعى انتقاداتٍ من جماعات مناخية.
غير أن قراءة الإشارة مبكراً لم تكن متاحةً للجميع، ولا مربحةً للجميع، فبحسب “فاينانشال تايمز”، واجه كبار تجّار الطاقة العالميين مثل: “فيتول” و”ترافيغورا” و”مركوريا”، صعوباتٍ جدّية في الاستفادة من تقلّبات السوق بسبب الصراع. فقد علِقت لدى “فيتول” أكثر من عشر سفن، دُمّرت اثنتان منها وسُجّلت إصاباتٌ في صفوف الأطقم، بينما ارتفعت كلفة تأمين الشحن في المنطقة بأكثر than ستة أضعاف. واضطرّ التجّار إلى تأمين تمويلٍ إضافي، إذ خصّصت “فيتول” و”ترافيغورا* ثلاثة مليارات دولار لكلٍّ منهما، و”غونفور” 1.5 مليار دولار للتأمين.
هكذا انقسم سوقُ التداول إلى فريقين؛ فريق قرأ الإشارة مبكراً وراهن على الندرة، وآخر فاجأه إغلاقُ الممرّ وهو في عرض البحر.
كيف حولت توتال الخطر إلى مكسب
اللافت أن “توتال” استفادت من الاضطرابات رغم تضرّر إنتاجها المباشر. فقد أعلنت في 13 مارس الماضي أن إنتاجها توقّف أو في طريقه إلى التوقّف في الخليج بحراً، بما يمثّل نحو 15% من إنتاجها العالمي. غير أنها أوضحت أن براميل الشرق الأوسط لا تشكّل سوى نحو 10% من تدفّقاتها النقدية التشغيلية بسبب ارتفاع الضرائب، وأن ارتفاعاً قدره 8 دولارات في سعر برنت كان كفيلاً بتعويض الإنتاج المفقود بالكامل. بعبارة أخرى، حوّلت الشركةُ تنوّعَ محفظتها الجغرافية وذراعَها التجارية القوية إلى وسيلةٍ لتحويل الخسارة المحتملة إلى مكسبٍ صافٍ.
تكمن العبرة في أن أسواق السلع تتحرّك بحسب المعلومات المادّية قبل أن تحرّكها الأخبار؛ وتجّار النفط الكبار يملكون شبكاتٍ تتابع حركة الناقلات، وأسعار التأمين البحري، ومواقع الأساطيل، وسلوك شركات الشحن، فيقرؤون من هذه التفاصيل ما يسبق العناوين. وقد كانت الأطراف، من تجار وشركات، التي التقطت جدية الحشود العسكرية الأمريكية في فبراير جنت hundreds of millions في الشهور اللاحقة.



