الدخل المطلوب للعيش براحة مالية في أوروبا يتراوح بين 603 و6491 يورو شهرياً

مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وتصاعد الضغوط على موازنات الأسر، يطرح سؤال جوهري نفسه على العديد من الأوروبيين: ما مقدار الدخل الشهري الصافي الذي يحتاجه الفرد أو الأسرة لتحقيق مستوى من الراحة المالية؟ لا توجد إجابة واحدة تنطبق على الجميع، لكن مقارنة مستويات الدخل الوسيط بين الدول تقدم مؤشراً مفيداً لفهم الفروق في القوة الشرائية ومستوى المعيشة.
معيار 150% من الدخل الوسيط
في محاولة لتقديم إجابة رقمية، احتسب تقرير «يورونيوز بيزنس» الدخل الشهري الصافي الذي يسمح للأسر بالوصول إلى عتبة 150% من الدخل الوسيط الوطني. هذه النقطة تمثل بداية الشريحة العليا من الطبقة الوسطى وفقاً للتصنيف المعتمد في التحليل. وتظهر الأرقام تفاوتاً كبيراً بين الدول الأوروبية، حيث يتراوح الدخل الشهري المطلوب للفرد الذي يعيش بمفرده بين 603 يورو في مقدونيا الشمالية و6491 يورو في سويسرا. أما داخل الاتحاد الأوروبي، فيمتد النطاق من 1023 يورو في رومانيا إلى 6256 يورو في لوكسمبورغ.
لا يرتبط مفهوم العيش براحة مالية برقم ثابت، فهو يختلف وفقاً لاحتياجات الأفراد، وتكاليف السكن والطعام والنقل والخدمات، بالإضافة إلى عدد أفراد الأسرة وما إذا كانوا يمتلكون منازلهم أم يستأجرونها. كما أن الدخل وحده لا يعكس حجم الثروة أو المدخرات أو الالتزامات المالية.
مؤشر الدخل المتاح المكافئ
يمكن الاستعانة بمؤشر الدخل المتاح المكافئ لتكوين صورة أكثر وضوحاً عن مستويات المعيشة. يُحتسب هذا المؤشر بجمع دخول أفراد الأسرة، بما في ذلك الأجور وعوائد الاستثمارات والمزايا الاجتماعية وغيرها من الإيرادات، ثم خصم الضرائب والاشتراكات الاجتماعية. بعد ذلك، يُعدّل الدخل وفق حجم الأسرة وتركيبتها باستخدام مقياس يحوّل عدد أفرادها إلى وحدات مكافئة للبالغين، مما يسمح بإجراء مقارنات أكثر عدالة بين الأسر المختلفة في الحجم. لذلك، لا يعادل هذا الرقم بالضرورة راتب الفرد أو دخله الشخصي.
وفقاً لتصنيف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، تضم الطبقة الوسطى الأسر التي يتراوح دخلها المتاح المكافئ بين 75% و200% من الدخل الوسيط الوطني، وتنقسم إلى ثلاث فئات: الشريحة الدنيا (75%-100%)، الشريحة المتوسطة (100%-150%)، والشريحة العليا (150%-200%).
تفسير الخبراء للعتبة المالية
لا يوجد معيار عالمي ثابت يحدد مقدار الدخل الذي يضمن العيش براحة. لكن سيباستيان كونيجز، كبير الاقتصاديين في المنظمة، أوضح لـ«يورونيوز بيزنس» أن الأسر التي يتجاوز دخلها 150% من الدخل الوسيط قد تكون، في كثير من الحالات، أكثر قدرة على تلبية احتياجاتها والعيش بمستوى مريح نسبياً. في المقابل، يرى باحثون أن تجاوز هذه العتبة لا يضمن بالضرورة الأمان المالي، إذ قد تؤثر تكاليف السكن والديون والظروف الأسرية في القدرة الفعلية على تغطية النفقات والادخار.
بلغ الدخل المتاح المكافئ الوسيط في الاتحاد الأوروبي عام 2025 نحو 22,939 يورو سنوياً، أي ما يعادل 1,912 يورو شهرياً. وبناءً على احتساب 150% من هذا المستوى، يحتاج الفرد الذي يعيش بمفرده إلى دخل صافٍ يبلغ نحو 2,867 يورو شهرياً للوصول إلى بداية الشريحة العليا من الطبقة الوسطى. لكن هذا الرقم ليس تقديراً موحداً لتكاليف المعيشة أو ضماناً للرفاه؛ بل هو معيار نسبي يُحتسب انطلاقاً من مستوى الدخل في كل دولة، ويهدف إلى توضيح موقع الفرد أو الأسرة ضمن توزيع الدخول الوطني.
الفروق بين الدول الأوروبية
على مستوى الدول الأوروبية الـ34 التي شملها التحليل، تتسع الفجوة بصورة لافتة بين أدنى المستويات وأعلاها، ما يعكس الاختلافات الكبيرة في الدخول الوطنية. داخل الاتحاد الأوروبي، تسجل لوكسمبورغ أعلى عتبة عند 6,256 يورو شهرياً للفرد الذي يعيش بمفرده، تليها مجموعة من الدول التي تتجاوز فيها العتبة الشهرية 4,000 يورو، من بينها: النرويج (5,240 يورو)، النمسا (4,568 يورو)، الدنمارك (4,524 يورو)، أيرلندا (4,392 يورو)، وهولندا (4,308 يورو). وتعكس هذه المستويات ارتفاع عتبة الدخل الوسيط في تلك الدول، لكنها لا تعني بالضرورة أن المبلغ نفسه يوفر مستوى المعيشة ذاته في كل منها، لأن النفقات الأساسية، ولا سيما السكن والخدمات، تختلف من سوق إلى آخر.
بين أكبر أربعة اقتصادات في الاتحاد الأوروبي، سجلت ألمانيا أعلى عتبة للدخل اللازم لبلوغ بداية الشريحة العليا من الطبقة الوسطى (3,611 يورو شهرياً)، تلتها فرنسا (3,307 يورو)، ثم إيطاليا (2,758 يورو)، وإسبانيا (2,546 يورو). وبحسب التقرير، تتجاوز العتبة في فرنسا متوسط الاتحاد الأوروبي بنحو 15%، بينما تأتي إيطاليا دون هذا المتوسط بقليل، وتسجل إسبانيا أدنى مستوى بين الاقتصادات الأربعة. وتوضح المقارنة أن حجم الاقتصاد لا يكفي وحده لتحديد الدخل الذي يحتاج إليه الفرد للوصول إلى شريحة معينة؛ فالمعيار يعتمد على توزيع الدخول داخل كل دولة، وليس على الناتج الاقتصادي الإجمالي فقط.
رغم أهمية هذه المؤشرات في مقارنة الأوضاع المعيشية، فإنها لا تقدم إجابة نهائية عن مقدار المال الذي يحتاج إليه كل شخص للعيش براحة. فالفرد الذي يمتلك منزلاً خالياً من الديون قد تكون احتياجاته المالية أقل من احتياجات شخص آخر يتقاضى الدخل نفسه لكنه يدفع إيجاراً مرتفعاً أو يعيل أسرة كبيرة. كما أن احتساب الدخل الصافي بعد الضرائب والاشتراكات الاجتماعية يجعل المقارنة أكثر دلالة على الموارد المتاحة فعلياً للأسر، لكنه لا يأخذ في الحسبان جميع الفروق في الثروة أو تكاليف الحياة اليومية.
وتخلص الدراسات إلى أنه لا يوجد رقم واحد يضمن العيش براحة في أوروبا، لكن عتبة 150% من الدخل الوسيط توفر معياراً للمقارنة بين الدول. وبينما يحتاج الفرد إلى نحو 2,867 يورو شهرياً لبلوغ هذه العتبة على مستوى الاتحاد الأوروبي، ترتفع القيمة في لوكسمبورغ وسويسرا إلى أكثر من 6,000 يورو، وتنخفض في دول أخرى إلى قرابة ألف يورو أو أقل، في مشهد يعكس اتساع الفوارق الاقتصادية والمعيشية عبر القارة.




