محو 480 مليار دولار من قيمة شركات الذكاء الاصطناعي في الصين.. هل بدأ التصحيح؟

قبل أعوام قليلة، كان مجرد ارتباط اسم شركة بمجال الذكاء الاصطناعي كافياً لإشعال حماس المستثمرين ودفع أسعار الأسهم نحو الصعود، وسط وعود بتغيير جذري في مختلف القطاعات من الصناعة والطب إلى السيارات والهواتف وأساليب العمل. لكن في الصين، تحول السؤال الأساسي إلى: من سيكون قادراً فعلياً على تحويل هذه الثورة التكنولوجية إلى أرباح ملموسة؟ وهذا السؤال بات مكلفاً للغاية.
تراجع حاد في مؤشر التكنولوجيا الصيني
فقد سجل مؤشر «STAR 50»، الذي يضم أبرز شركات التكنولوجيا والابتكار المدرجة في بورصة شنغهاي، انخفاضاً تجاوز 40% خلال أربعة أشهر حتى 29 أكتوبر، مما أدى إلى محو نحو 480 مليار دولار من قيمته السوقية، وفقاً لتقرير نشرته «سي إن إن». هذا التراجع الكبير لا يعني بالضرورة نهاية قصة الذكاء الاصطناعي في الصين، لكنه يكشف تحولاً مهماً في مزاج السوق؛ فالمستثمر الذي كان في ذروة الحماس مستعداً لشراء المستقبل، أصبح يطالب الآن بمؤشرات أكثر واقعية في الحاضر: الإيرادات والأرباح والقدرة الفعلية على تحويل المليارات المنفقة على التكنولوجيا إلى عوائد مالية.
من الحماس إلى المطالبة بالأرباح
لفهم ما يحدث، يكفي النظر إلى تقييمات السوق. فحتى بعد موجة التراجع، كان مؤشر «STAR 50» يتداول في 26 أكتوبر عند نحو 100 ضعف أرباح شركاته خلال الأشهر الـ12 الماضية، بعد أن اقترب في مرحلة سابقة من 250 ضعفاً. المشكلة هنا لا تكمن في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في السعر الذي كان المستثمرون على استعداد لدفعه مقابل الوعد بعوائده المستقبلية. وكلما ارتفع السعر، ارتفع معه سقف التوقعات؛ فلم يعد يكفي أن تكون التكنولوجيا جيدة أو أن تمتلك الشركة منتجاً مثيراً للاهتمام، بل يجب أن تنمو بسرعة كافية لتبرير تقييم سبق أرباحها بسنوات.
ووفقاً لأرقام «غولدمان ساكس» التي أوردها التقرير، شكلت الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي نحو 42% من القيمة السوقية و57% من التداولات عبر أسهم البر الرئيسي الصيني وأسهم «H» المدرجة في هونغ كونغ. وعندما يصل قطاع واحد إلى هذا الحجم من الاهتمام، فإن أي تغيير في شهية المستثمرين لا يبقى محصوراً في عدد قليل من الشركات.
هل انفجرت الفقاعة فعلاً؟
هناك فارق بين تراجع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي وفشل التكنولوجيا نفسها كصناعة. الأول يمكن أن يحدث لأن أسعار الأسهم وصلت ببساطة إلى مستويات أعلى مما تبرره الأرباح الفعلية، بينما الثاني يتطلب فشلاً أعمق في الطلب والاستخدام والقيمة الاقتصادية. وهنا تصبح التجربة الصينية أكثر إثارة للاهتمام عالمياً؛ فالمستثمرون لا يتراجعون بالضرورة عن إيمانهم بمستقبل الذكاء الاصطناعي، وإنما يعيدون تقييم السعر المناسب لهذا المستقبل.
وبحسب محللين تحدثت إليهم قناة آسيا الإخبارية، يمكن للدعم الحكومي ومصادر التمويل الأخرى أن تساعد الصين على مواصلة طموحاتها في الذكاء الاصطناعي، حتى مع تراجع شهية أسواق الأسهم، بينما قد تتعرض الشركات الأصغر والأكثر استنزافاً للنقد لضغوط أكبر. وهذا يعني أن التصحيح قد يفصل تدريجياً بين الشركات التي تمتلك نموذج أعمال قادراً على الصمود وتلك التي استفادت أساساً من الحماس المحيط بكلمتي «الذكاء الاصطناعي».
عقبة الرقائق.. مشكلة لا تحلها البورصة
يرى كريستوفر بيدور من «غافيكال دراغونوميكس» أن العقبة الأكبر أمام طموحات الصين في هذا المجال ليست التمويل، بل الوصول إلى الرقائق المتقدمة. فالمال يستطيع تمويل الشركات والأبحاث ومراكز البيانات، لكنه لا يلغي القيود التي تواجه الوصول إلى بعض التقنيات المتطورة. وهنا تنتقل قصة الذكاء الاصطناعي من البورصة إلى قلب المنافسة التكنولوجية العالمية، حيث لا يُحدد التفوق بحجم الاستثمارات فقط، بل أيضاً بالقدرة على الوصول إلى البنية التحتية والحوسبة والرقائق اللازمة لبناء النماذج المتطورة.
الارتفاع الهائل المرتبط بالذكاء الاصطناعي لم يكن ظاهرة صينية فقط، لكن المقارنة المباشرة بين الصين والولايات المتحدة قد تكون مضللة؛ فعمالقة التكنولوجيا الأمريكيون مثل «مايكروسوفت» و«ألفابت» و«أمازون» و«ميتا» يمتلكون أعمالاً قائمة تدر إيرادات وتدفقات نقدية تدعم استثماراتهم الكبيرة في الذكاء الاصطناعي. فهل انتهى الزمن الذي كان فيه مجرد الوعد بالذكاء الاصطناعي كافياً لتبرير أي تقييم؟ ما يحدث في الصين يقدم إجابة أولية: التكنولوجيا لم تختفِ، والاستثمارات لم تتوقف، والسباق العالمي لم ينتهِ، لكن السوق بدأ يطلب الدليل.




