عربي و عالمي

منذ أول اختراق.. قراصنة العملات المشفرة يستحوذون على 20.6 مليار دولار

منذ أول اختراق.. قراصنة العملات المشفرة يستحوذون على 20.6 مليار دولار

وُلدت العملات المشفرة من رغبة في إقامة نظام مالي عالمي أكثر تحرراً من المؤسسات التقليدية، لكن يبدو أن أقسى امتحان واجهها لم يكن تقلب أسعارها أو صرامة القوانين، بل جماعات القرصنة التي حوّلت مواطن الضعف الرقمية إلى أبواب خلفية لنهب الأموال. فمنذ إطلاق «بيتكوين» في 2009، تحولت عمليات السرقة من محاولات محدودة تستهدف محافظ أفراد ومنصات ناشئة إلى هجمات إلكترونية مركّبة تطال كبرى المؤسسات الرقمية وتفضح هشاشة الأنظمة المسؤولة عن أموال المستثمرين.

وعلى مدى أكثر من 17 عاماً، توالت الاختراقات في القطاع، بعضها كبّد الشركات خسائر بمئات الملايين، قبل أن يقفز سقف الخسارة في هجوم واحد إلى مليار دولار. ولم تعد التهديدات محصورة في كلمات المرور أو المفاتيح السرية، بل امتدت إلى التلاعب بالعقود الذكية، وكسر جسور ربط شبكات سلسلة الكتل، والتسلل إلى البيئات الداخلية لمنصات التداول.

ومع كل سرقة كبرى، تعود الإشكالية نفسها إلى الواجهة: كيف يمكن لمنظومة مالية قائمة على التشفير والشفافية أن تفقد مليارات الدولارات في دقائق؟ وهل تستطيع التشريعات والأدوات الأمنية مجاراة الأساليب المتطورة للجريمة الإلكترونية؟

حصيلة تتجاوز 20 مليار دولار

وتشير مراجعة لبيانات شركات متخصصة في تحليل سلاسل الكتل إلى أن إجمالي الخسائر التاريخية لاختراقات العملات المشفرة فاق 20 مليار دولار، عند احتساب الهجوم الأخير على «بينانس»، على أن الرقم النهائي يتباين بحسب نطاق الإحصاء ومنهجية حساب الأموال المستعادة.

فبحسب «كوين جيكو»، تجاوزت خسائر اختراقات منصات التداول وبروتوكولات التمويل اللامركزي 14.27 مليار دولار في الفترة من 2016 حتى أوائل أغسطس 2026. وإذا أُضيف إليها 6.36 مليار دولار، وهي القيمة التي رصدتها «تي آر إم لابس» في حادثة «بينانس» يوم 29 أكتوبر، يصبح المجموع الحسابي 20.63 مليار دولار، بما يعادل نحو 75.8 مليار درهم، من دون حساب الاختراقات السابقة لعام 2016 أو الحوادث التي وقعت بين أغسطس وأواخر أكتوبر.

ولهذا فإن 20.63 مليار دولار تمثل حداً أدنى تقريبياً في نطاق هذين المصدرين، وليست حصيلة رسمية موحدة لكل عمليات السرقة منذ ظهور «بيتكوين».

وهناك إحصاءات أوسع، من بينها قاعدة بيانات «كاسا» التي رصدت 28.5 مليار دولار من الأموال المفقودة أو المسروقة أو المجمدة لدى منصات التداول ومؤسسات الحفظ من 2011 حتى 7 أكتوبر 2026. غير أن هذا الرقم يشمل انهيارات مؤسسات وإفلاسات، ولا يمكن اعتبار قيمته كلها أموالاً سرقها قراصنة.

«بينانس» في صدارة الهجمات

وتتصدر حادثة «بينانس» قائمة الاختراقات المسجلة، إذ رصدت «تي آر إم لابس» انتقال أصول قيمتها 6.36 مليار دولار عبر عشر شبكات لسلاسل الكتل خلال نحو 20 دقيقة. وأوضحت الشركة أن المهاجمين استغلوا آليات اعتماد التحويلات في المحافظ الساخنة. وفي المقابل، أكدت «بينانس» أنها تحقق في حادث أمني طال أصولاً تقدر بنحو 6.3 مليار دولار، من دون أن تؤكد بشكل قاطع أن كامل المبلغ خسائر محققة.

وتمكنت جهات متخصصة ومصدرون للعملات المستقرة من تجميد أصول بنحو 2.7 مليار دولار، فيما تعهدت المنصة بحماية أموال العملاء. ومن ثم، فإن قيمة التحويلات غير المصرح بها لا تعكس بالضرورة صافي الخسائر النهائية بعد التجميد واسترداد الأموال.

وقبل حادثة «بينانس»، كانت سرقة منصة «بايبت» في فبراير 2025 تتصدر القائمة العالمية، بعدما استولى مهاجمون على عملات «إيثريوم» بقيمة تقارب 1.5 مليار دولار. وأرجع مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي العملية إلى قراصنة مرتبطين بكوريا الشمالية، بعد اختراق إجراءات توقيع المعاملات الرقمية. وأظهرت الحادثة أن المحافظ متعددة التوقيع لا توفر حماية مطلقة عندما يجري التلاعب بالنظام الذي يعرض المعاملات ويعتمدها.

وفي 2022، تعرضت شبكة «رونين» المرتبطة بلعبة «أكسي إنفينيتي» لاختراق بلغت قيمته نحو 625 مليون دولار، فيما شهدت «بولي نتورك» في 2021 اختراقاً بنحو 611 مليون دولار، قبل استعادة معظم الأموال.

2022.. عام الخسائر الكبرى

وتظهر البيانات التاريخية أن 2022 كان من أكثر الأعوام كلفة على القطاع، بخسائر بلغت نحو 2.77 مليار دولار وفق سلسلة بيانات «كوين جيكو»، مقابل نحو 2.66 مليار دولار في 2021.

وشهد العام نفسه هجمات متلاحقة على جسور نقل الأصول بين شبكات البلوك تشين، أبرزها «رونين» و«وورمهول» وشبكة «بي إن بي»، ما كشف المخاطر المرتبطة بالأنظمة التي تربط شبكات مختلفة وتحتفظ بضمانات مالية ضخمة.

وتراجعت خسائر الاختراقات وفق المنهجية نفسها إلى نحو 1.52 مليار دولار في 2023، ثم 1.27 مليار دولار في 2024، قبل أن ترتفع إلى 2.55 مليار دولار خلال 2025. وهذه السلسلة لا تشمل كل أشكال الاحتيال أو سرقات المحافظ الفردية.

2026.. عودة التصعيد

ويدخل عام 2026 مرحلته الأخيرة وسط موجة تصاعدية جديدة. فبحسب تجميع أرقام شركة «سيرتيك» المنشورة حتى 27 أكتوبر، بلغت خسائر الاختراقات والاحتيال واستغلال الثغرات نحو 2.89 مليار دولار، موزعة على 732 حادثة.

وبإضافة حادثة «بينانس» وحدها، ترتفع القيمة الحسابية إلى نحو 9.25 مليار دولار خلال 2026. غير أن هذا الرقم ليس إجمالياً رسمياً نهائياً، لأن منهجية «سيرتيك» أوسع من نطاق تحليل «تي آر إم لابس»، ولأن بعض الأصول المرتبطة بحادثة «بينانس» جرى تجميدها.

ومن أبرز حوادث العام اختراق «بيتجيت» في سبتمبر 2026، وخسائر مشروعي «دريفت» و«كيلب» في أبريل 2026، وهي عمليات تؤكد أن المخاطر باتت تمتد من منصات التداول المركزية إلى بروتوكولات الإقراض والتمويل اللامركزي.

كوريا الشمالية.. تهديد متصاعد

وبرزت مجموعات قرصنة مرتبطة بكوريا الشمالية بوصفها أحد أبرز التهديدات الأمنية للقطاع. وقدّرت «تشيناليسيس» أن قراصنة مرتبطين ببيونغ يانغ استولوا على نحو 2.02 مليار دولار خلال 2025 وحده، ليرتفع إجمالي حصيلتهم التاريخية المقدر آنذاك إلى 6.75 مليارات دولار.

ومع إسناد «تي آر إم لابس» هجوم «بينانس» إلى مجموعة «تريدر تريتور» المرتبطة بكوريا الشمالية، تتصاعد المخاوف من استخدام عمليات القرصنة الضخمة مصدراً لتمويل خارج القنوات المصرفية التقليدية. بيد أن هذا الإسناد يظل تقييماً استخباراتياً من شركة تحليل متخصصة، وليس حكماً قضائياً نهائياً.

هل فقدت العملات المشفرة حصانتها؟

وتكشف هذه الحوادث مفارقة جوهرية: فرغم أن شبكات البلوك تشين تعتمد على تقنيات تشفير متقدمة، فإن المؤسسات والتطبيقات المحيطة بها تظل عرضة للاختراق بسبب أخطاء البرمجة، أو سرقة بيانات الاعتماد، أو استغلال صلاحيات الموظفين، أو التلاعب بواجهات توقيع المعاملات. كما أن سرعة تحويل الأصول عبر الحدود تمنح المهاجمين فرصة لتوزيع الأموال على محافظ وشبكات متعددة قبل تدخل الجهات الأمنية.

ومع ذلك، لا تعني جميع الحوادث خسارة الأموال بصورة نهائية؛ فقد تمكنت بعض المنصات من استعادة أصولها، بينما نجحت جهات إصدار العملات المستقرة في تجميد مبالغ ضخمة، كما حدث في «بينانس».

والنتيجة أن صناعة العملات المشفرة، رغم توسعها العالمي، تواجه اختباراً يتجاوز التطور التقني إلى الحوكمة والمسؤولية المالية والرقابة الأمنية.

فبعد أكثر من 17 عاماً على ظهور «بيتكوين»، لم تعد المسألة تتعلق بقدرة الأصول الرقمية على جذب رؤوس الأموال فحسب، بل بقدرة المؤسسات التي تديرها على حمايتها. وإذا كانت سرقة المليارات خلال دقائق تكشف سرعة حركة الأموال في الاقتصاد الرقمي، فإنها تكشف أيضاً حجم التحدي الذي ينتظر هذه الصناعة قبل أن تتحول إلى ركيزة موثوقة للنظام المالي العالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *