محليات

«أم النزيلات» جميلة الزعابي تروي قصص تحول من الانكسار إلى الأمل خلف أسوار سجن دبي

«أم النزيلات» جميلة الزعابي تروي قصص تحول من الانكسار إلى الأمل خلف أسوار سجن دبي

لم تكن السنوات التي قضتها العميد المتقاعد جميلة الزعابي داخل المؤسسات العقابية والإصلاحية بشرطة دبي مجرد فترة عمل اعتيادية، بل تحولت إلى رحلة إنسانية جعلتها تُعرف بلقب «أم النزيلات». منذ التحاقها بالسجن النسائي عام 2015 برتبة رائد، رأت في كل نزيلة فرصة لإعادة اكتشاف الذات وتعلم حرفة جديدة والتصالح مع الماضي، استعداداً لحياة مختلفة بعد الإفراج.

وخلال حوارها مع بودكاست «عرب كاست»، استعادت الزعابي محطات من مسيرتها، متحدثة عن فلسفة التعامل مع النزيلات القائمة على احترام الكرامة الإنسانية وتقديم برامج تأهيل نفسي ومهني. وأوضحت أن العلاقة بينها وبين النزيلات تطورت تدريجياً من علاقة وظيفية إلى رابطة أمومة وثقة، حتى أصبحن يلجأن إليها للاستشارة، وجلساتهن تشبه لقاءات أم وبناتها، انطلاقاً من قناعتها بأن التصالح مع الذات هو الخطوة الأولى لحل المشكلات.

قصص نجاح خلف القضبان

تحدثت الزعابي عن قصص نجاح كثيرة، أبرزها قصة معلمة كانت تعمل في إحدى الدول الخليجية، حيث تعرفت إلى شخص من دولة عربية أقنعها بإحضار حبوب مخدرة بزعم أنها أدوية للصداع، ليتم ضبطها وإيداعها السجن. واجهت المعلمة صعوبة في تقبل واقعها الجديد، لكنها انخرطت في دورات تدريبية، ومارست الأعمال اليدوية، واعتنقت الإسلام وحفظت القرآن الكريم. وبعد قضاء 4 سنوات ونصف من حكمها البالغ 10 سنوات، استفادت من حسن السلوك وحفظ القرآن. ولم تنتهِ القصة عند خروجها، إذ استمرت في التواصل مع العاملين في المؤسسة، وأرسلت صوراً من حياتها الجديدة بعدما افتتحت مع أختها محلاً للحلويات في بلادها، مستفيدة من مهارات تزيين الكيك التي تعلمتها داخل السجن، حتى أصبح مشروعهما من المحال المعروفة هناك.

رعاية الأطفال والحفاظ على كرامة الأمهات

أولت المؤسسة اهتماماً خاصاً لأطفال النزيلات، فحرصت على ضمان حقوقهم في الرعاية والتعليم، وألا يتحملوا تبعات أخطاء أمهاتهم. يسمح القانون ببقاء الطفل مع أمه داخل المؤسسة حتى بلوغه عامين، مع مراعاة احتياجاتهما، ثم ينتقل إلى دار الرعاية التابعة لمؤسسة المرأة والطفل. وأبرمت المؤسسة اتفاقاً مع مدرسة خاصة لإلحاق الأطفال بالدراسة، مع توفير وسائل نقل خاصة لا تحمل شعار الشرطة، حفاظاً على خصوصيتهم وعدم معرفة زملائهم بأن أمهاتهم نزيلات. كما تم تنظيم اتصالات مرئية وزيارات لضمان استمرار علاقة الطفل بأمه بعد انتقاله إلى دار الرعاية.

لمسات إنسانية لا تُنسى

روت الزعابي مواقف إنسانية عديدة، منها طلب ابنة إحدى النزيلات المساعدة في استكمال إجراءات زواجها، إذ كانت تحتاج إلى توقيع والدها المسجون. فجّه مدير المؤسسات العقابية آنذاك بمساعدة الفتاة، وأُعد حفل زفاف كامل، أتيحت خلاله للأب فرصة مشاهدة ابنته في يومها الكبير. كما روت قصة أب دخل السجن وعمر ابنته عامان، ولم يتمكن من رؤيتها حتى اقتربت من الثامنة، فرتبت المؤسسة مفاجأة بعيد ميلادها، حيث جرى استدعاء الأسرة وجعل اللقاء يبدو زيارة عادية قبل أن تفاجئ الطفلة والدها راكضة نحوه لتحتضنه، في مشهد أبكى الحاضرين.

ومن أكثر القصص تأثيراً، نزيلة قضت 14 عاماً دون رؤية أهلها، وكانت تتمنى لقاء والديها. تمكنت المؤسسة من التواصل مع الأسرة وترتيب مفاجأة، حيث أوهمتها بوجود اجتماع مع المدير بسبب أمر غير عادي، لتفاجأ بوجود والديها أمامها، فتحولت توقعاتها بالمساءلة إلى فرحة لقاء انتظرته سنوات. وفي قصة أخرى، انحنت نزيلة وقبّلت حذاء أمها حين زارتها، طالبة السماح مثقلة بالندم.

وتناولت الزعابي قصة نزيلة إفريقية دفعها الفقر إلى نقل مخدرات إلى دبي مقابل مبلغ مالي، تاركة ابنتها لدى صديقة في بلدها. ضُبطت وحُكم عليها بالسجن 10 سنوات، وعانت صدمة إضافية بعد انقطاع أخبار ابنتها لسنوات، إذ تبين أن الصديقة أودعتها داراً للأيتام أغلقت لاحقاً وضاع أثر الطفلة، تاركة الأم في قلق دائم.

تحديات ما بعد الإفراج ودعوة للعقوبات البديلة

أشارت الزعابي إلى أن الحصول على شهادة حسن السيرة والسلوك كان من أبرز التحديات بعد الإفراج، إلى جانب رفض بعض أصحاب العمل توظيف النزيلات بسبب ماضيهن. وأكدت أن وصمة السجن تعرقل الإصلاح حين يظل المجتمع يحاسب الإنسان طوال حياته على خطأ عوقب عليه. وشددت على أن النزيل ينبغي ألا يخجل من دخوله السجن، بل يتعامل معه كمرحلة انتهت ويستفيد مما اكتسبه خلالها.

وفي ختام حديثها، دعت الزعابي إلى التوسع في تطبيق العقوبات البديلة في بعض الجرائم البسيطة، خصوصاً الجنح والقضايا المالية، متسائلة عن إمكانية إتاحة الفرصة لبعض المحكوم عليهم للعمل وسداد ديونهم بدلاً من البقاء في السجن، متى سمحت طبيعة القضية والقانون بذلك.

وعرضت الزعابي نجاح نزيلات في بنا مسارات مهنية بعد الإفراج عنهن، والعمل في قطاعات بينها العقارات والبنوك، فيما اشتهرت إحداهن مؤثرة في الموضة على مواقع التوصال، وتحدثت عن تجربتها الرياضية بالسجن، حتى تواصل أشخاص مع المؤسسة للاستفسار عن قصتها.

وتحدثت الزعابي عن نزيلة تعرف بلقب «بيج ماما»، محكومة بالسجن المؤبد لكنها تحولت إلى أم حقيقية بالنسبة لكثير من النزيلات، اللواتي كن يحترمنها ويلجأن إليها. وكانت تجلس إلى جوار من تعاني الاكتئاب، وتتركها تسند رأسها إلى ساقها حتى تهدأ، وتحيطها بحنان الأم، مؤكدة قدرة الأمومة على التأثير في الآخرين مهما اختلفت خلفياتهم وظروفهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *