عندما يتحول تعثر سداد الرسوم المدرسية إلى نزاع قضائي: محاكم تلزم أولياء الأمور بالدفع

الالتزام التعاقدي وسداد الرسوم
العلاقة بين أولياء الأمور والمدارس الخاصة ليست مجرد صلة تعليمية، بل عقد يربط الطرفين بالتزامات متبادلة. عند توقيع نموذج الالتحاق يتعهد ولي الأمر بسداد الرسوم وفق الشروط المتفق عليها، بينما تلتزم المدرسة بتقديم الخدمة التعليمية المتفق عليها. وقد أكدت المحاكم أن حالة “التعثر المالي الفجائي” لا تُعفي ولي الأمر من هذا الالتزام التعاقدي.
أحكام المحاكم وتطبيق القانون المدني
نظرت محاكم الدولة في عدد من القضايا التي رفعتها مدارس خاصة ضد أولياء أمور تأخروا عن سداد الأقساط، ورفضت الدفوع التي تستند إلى sudden financial hardship كمبرر للتملص من الديون. في إحدى القضايا ألزمت المحكمة والدة بدفع المبلغ المطلوب بالإضافة إلى المصروفات القضائية ومبلغ مئتي درهم كأتعاب محاماة. وفي قضية أخرى حكمت المحكمة على والد بدفع ثلاثة وثمانين ألفاً ومائة وثمانية وثمانين درهماً بعد أن قدمت المدرسة استمارات التسجيل وكشف الحساب ولم يثبت الوالد أي دفع أو تخفيض للديون. كما قضت المحكمة بدفع مئتين وستة آلاف وثلاثمائة وأربع وثلاثين درهماً استناداً إلى نماذج قبول موقعة وتقرير خبير حسابي. وفي قضية رابعة إلزمت المحكمة والداً بدفع أربعة وستين ألفاً وستمائة وثلاثة وستين درهماً مع فائدة تأخير تبلغ ثلاثة بالمائة سنوياً من تاريخ المطالبة حتى السداد، على ألا يتجاوز المبلغ أصل الدين.
إرشادات لتجنب النزاعات وحقوق الأطراف
أشار مصرف الإمارات المركزي إلى أن الثقافة المالية ليست مجرد مهارة، بل أساس لاستقرار الأسرة على المدى الطويل، إذ تساعد على اتخاذ قرارات مالية سليمة وتجنب تراكم الديون، بينما يعزز اكتسابها القدرة على مواجهة الأزمات وبناء مستقبل آمن من خلال التخطيط السليم، إدارة المصروفات، الادخار المسؤول واتخاذ قرارات مدروسة.
وأوضحت المحامية نادية بنت خالد، في حديثها لـ”الإمارات اليوم”، أن ارتفاع تكاليف التعليم الخاص جعل الرسوم الدراسية التزاماً مالياً قد يتحول إلى نزاع قضائي، خصوصاً عندما يلتحق الطفل بمدرسة ذات رسوم مرتفعة ثم تتغير الظروف المالية للوالد وتصبح incapable من السداد في المواعيد المحددة. وأوضحت أن توقيع نموذج الالتحاق يخلق التزاماً متبادلاً: الوعد بالدفع مقابل تقديم الخدمة التعليمية.
بعد دخول مرسوم بقانون اتحادي رقم (25) لسنة 2025 حيز التنفيذ اعتباراً من الأول من يونيو الماضي، أصبحت المواد الجديدة من القانون المدني هي المرجع في هذه النزاعات. تنص المادة (219) على أن العقد الصحيح يرتب آثاره بمجرد انعقاده وعلى المتعاقدين الوفاء بما أوجبه العقد من حقوق والتزامات. وتؤكد المادة (221) وجوب تنفيذ العقد وفقاً لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع حسن النية، وأن العقد لا يقتصر على ما ورد فيه صراحة بل يمتد إلى مستلزماته وفقاً للقانون والعرف وطبيعة الالتزام. لذلك لا يمكن اعتبار توقيع ولي الأمر على نموذج الالتحاق إجراءً شكلياً يمكن تجاهله عند تغير القدرة المالية.
نصحت المحامية بأن يكون أول رد لوالٍ يواجه صعوبة في السداد هو المبادرة بالتواصل مع المدرسة وطلب ترتيب سداد مناسب أو إعادة جدولة المبالغ المستحقة أو البحث عن بديل تعليمي يتناسب مع capacity المالية، بدلاً من الانتظار حتى تتراكم الديون.
أكدت الأحكام الصادرة على أهمية المستندات مثل نماذج التسجيل والقبول وكشوف الحساب وإثباتات السداد؛ فإثبات توقيع ولي الأمر على نموذج الالتحاق مع وجود دليل على مقدار المديونية يمكن أن يشكل أساساً لإلزامه قضائياً بالرسوم المستحقة.
أما بخصوص حقوق المدرسة، فيجب التمييز بين حقها في المطالبة بالمستحقات والوسائل التي يجوز لها استخدامها لتحصيلها. وفقاً لسياسة الرسوم الدراسية المعتمدة من دائرة التعليم والمعرفة في أبوظبي، على المدرسة إرسال ثلاثة إشعارات متتالية لولي الأمر يفصل بين كل إشعار وأخر أسبوع على الأقل، ويجوز لها حجب بطاقات التقارير الدراسية وشهادات الانتقال أو منع إعادة تسجيل الطالب إلى حين تسوية الرسوم، مع وجوب إخطار ولي الأمر كتابة قبل نهاية العام الدراسي بثلاثة أشهر على الأقل بخطر عدم إعادة تسجيل الطالب في العام التالي بسبب المبالغ المستحقة. ومع ذلك لا يجوز للمدرسة منع الطالب من أداء الامتحانات بسبب تأخر السداد، ولا أن تتعامل مع الأمر بإعلان الطالب أن وليه لم يدفع أو تستخدم ذلك كسبب لتعليق الطالب، لأن مسؤولية الوالد المالية لا تجعل الطالب طرفاً في النزاع المالي.
في النهاية، المشكلة لا تكمن فقط في عدم السداد بل في قرار تسجيل الطفل في مدرسة تتجاوز رسومها القدرة المالية للأسرة منذ البداية؛ فالدائر الذي يستطيع دفع رسوم مدرسة معينة اليوم لكنه يعلم أن ذلك سيستهلك معظم دخله أو يعتمد على قرض أو بطاقة ائتمان أو التزام مالي آخر قد يجد نفسه بعد أشهر أمام مديونية تفوق بكثير قدرته على السداد.



