الشارقة تستضيف نقاشاً حول مستقبل الترجمة الأدبية في عصر الذكاء الاصطناعي

في إطار فعاليات الدورة الخامسة والأربعين من معرض الشارقة الدولي للكتاب 2026، عُقدت ندوة حملت عنوان “لماذا نترجم في العصر الرقمي – ندوة جائزة ترجمان”، جمعت نخبة من المترجمين والأكاديميين والناشرين. وتناولت الندوة مستقبل الترجمة الأدبية في ظل التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث أجمع المشاركون على أن قدرة الأدوات الرقمية على نقل المعاني وإنتاج النصوص بسرعة لا تلغي دور المترجم البشري في فهم الأبعاد الجمالية والثقافية للأعمال الإبداعية، ولا تعفيه من مسؤوليته عن دقة الترجمة والحفاظ على خصوصية النص الأصلي.
الفرص والتحديات في ظل التقنيات الحديثة
بحثت الندوة سبل الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في عمل المترجمين، إلى جانب التحديات التي تواجه ترجمة اللغات الأقل انتشاراً. كما ناقش المشاركون أثر التقنيات الحديثة في سوق النشر، وأكدوا ضرورة الشفافية في الإفصاح عن استخدام هذه الأدوات، وحماية حقوق كل من المترجمين والقراء. شارك في الندوة كل من الدكتورة إيزابيلا كاميرا دافليتو، والدكتور صبحي البستاني، والدكتور لويس ميغيل كنيادا، والدكتور كيم نيونغ وو، والدكتورة فاليريا ماسياس باجيس.
اقرأ أيضاً: دور سديم العيسي في دعم رائدات الأعمال السعوديات
الترجمة البشرية مقابل الآلية: الشعر نموذجاً
استعرض الدكتور صبحي البستاني الفروق بين الترجمة البشرية والآلية في النصوص الشعرية، موضحاً أن الترجمة الآلية قادرة على نقل المعنى وفق قواعد اللغة المستهدفة، لكنها قد تفقد النص بعض خصائصه الجمالية والإيقاعية. من جانبه، تحدث الدكتور كيم نيونغ وو عن تجربته الممتدة على مدى ثلاثين عاماً في ترجمة الأدب العربي إلى اللغة الكورية، مشيراً إلى أنه يستعين حالياً بالذكاء الاصطناعي في ترجمة كتاب “النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية” للقاضي بهاء الدين بن شداد، الذي يتناول سيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي، ويتوقع إتمام ترجمته خلال العام المقبل. وأوضح أنه يوظف التقنية في ثلاثة مجالات رئيسية: فهم السياقات التاريخية والمصطلحات القديمة، والتعرف على أسماء الأسلحة والمدن والشخصيات المرتبطة بالحروب الصليبية، واختيار المفردات الكورية وتحسين الصياغة.
اقرأ أيضاً: لأول مرة.. مجلس القضاء في الشارقة يشارك في معرض الكتاب الدولي لتعزيز الوعي القانوني
الترجمة جسر للتفاهم الثقافي
أكدت الدكتورة إيزابيلا كاميرا دافليتو أن ترجمة الأدب العربي تتيح للقارئ الغربي التعرف على تاريخ المجتمعات العربية وتجاربها الاجتماعية والثقافية. وأشارت إلى أن مسؤولية المترجم لا تقتصر على نقل الكلمات، بل تشمل اختيار الأعمال التي تساهم في بناء فهم أعمق للثقافات الأخرى. ولفتت إلى أن اهتمامها بترجمة الأدب العربي ينبع من حبها لهذا الأدب وحرصها على تشجيع أجيال جديدة من المترجمين، ومساعدة القراء على تجاوز الصور النمطية والأحكام المسبقة عن العالم العربي. بدورها، أوضحت الدكتورة فاليريا ماسياس باجيس أن تطور الذكاء الاصطناعي يفرض على المترجمين الأدبيين الجمع بين المعرفة اللغوية والثقافية العميقة والقدرة على استخدام الأدوات الرقمية. وأشارت إلى أن الترجمة الأدبية تتطلب سنوات من القراءة والدراسة والبحث والتفاعل مع الثقافات المختلفة، في حين تواجه أدوات الذكاء الاصطناعي صعوبات في التعامل مع اللغات الأقل انتشاراً بسبب محدودية النصوص والبيانات المستخدمة في تدريب نماذجها، مما يؤثر على قدرتها على إدراك الفروق الدقيقة وإنتاج ترجمات دقيقة. وتطرقت أيضاً إلى تحديات أخرى تتعلق بترجمة قضايا النوع الاجتماعي والموضوعات العرقية في ظل الفجوة بين التحولات المجتمعية والمحتوى المتاح رقمياً.
اقرأ أيضاً: معهد الشارقة للتراث يشارك في معرض الكتاب الدولي بجناح شامل وفعاليات تراثية متنوعة
دعوات للشفافية والتنظيم
لفتت الدكتورة فاليريا ماسياس باجيس إلى تحركات تقودها جمعيات للناشرين والمترجمين في إسبانيا للمطالبة بوضع علامات واضحة على أغلفة الكتب تميز الترجمات البشرية عن الآلية، حتى يتمكن القارئ من معرفة طبيعة الترجمة التي يقتنيها. من جانبه، تناول الدكتور لويس ميغيل كنيادا أثر الذكاء الاصطناعي في الترجمة باعتبارها نشاطاً إبداعياً ومهنة ومنتجاً تجارياً، محذراً من أن القدرة على إنتاج النصوص وترجمتها بكميات كبيرة وبسرعة غير مسبوقة قد تؤدي إلى تغليب القيمة الاقتصادية للكتاب على قيمته الفكرية والثقافية. ودعا كنيادا إلى تنظيم سوق الترجمة، وإلزام الناشرين بالإفصاح عن آليات الترجمة ونسبة استخدام الذكاء الاصطناعي، ووضع توصيف واضح على أغلفة الكتب يميز الترجمة البشرية عن الآلية، إلى جانب توعية القراء بحقهم في الحصول على ترجمات جيدة.
المزيد في قسم محليات




