أم القيوين تواصل تراثها عبر ترميم أكثر من 300 قطعة أثرية

أنهت دائرة السياحة والآثار في أم القيوين، خلال السنوات الماضية، أعمال ترميم لنحو 300 قطعة أثرية وما يقارب 15 مبنى أثرياً وتاريخياً، بينما تستمر في صون المكتشفات الجديدة بالاستعانة بكوادر وطنية متخصصة وباحثين من جامعات وبعثات دولية.
جهود الترميم والحفاظ على التراث
أسفرت هذه الأعمال عن حماية المواقع الأثرية وكشف عناصر معمارية وتاريخية جديدة، ما أتاح للباحثين دراسة المواقع بدقة أكبر وعزز توثيق المكتشفات وفهم أبعادها الحضارية، مما يدعم حفظ الهوية الوطنية ويرسخ الوعي بأهمية التراث الثقافي.
ويعتبر ترميم المواقع والقطع الأثرية في إمارة أم القيوين ركيزة أساسية في المحافظة على الإرث الحضاري، إذ يحمي الشواهد التاريخية من تأثيرات الزمن والبيئة، ويتيح للباحثين قراءة أدق لتاريخ الإمارة وتسلسلها الحضاري عبر العصور، بالإضافة إلى تعزيز مكانة الإمارة على خريطة السياحة الثقافية في دولة الإمارات.
أبرز المواقع الأثرية في الإمارة
تضم إمارة أم القيوين عدداً من المواقع البارزة مثل موقع الدور الأثري، ودير السينية، ومدينة صيد اللؤلؤ في جزيرة السينية، وحصن أم القيوين، وحصن فلج المعلا، وبيت الشيخ سعيد بن أحمد المعلا، وبيت الشيخ راشد بن أحمد المعلا، والتي شهدت خلال السنوات الأخيرة مشاريع متواصلة للترميم والصيانة وفق أحدث المعايير العلمية في حفظ التراث الثقافي.
أساليب العمل والشراكات الدولية
أوضحت رانيا حسين قنومه، القائم بأعمال مدير إدارة الآثار والتراث في دائرة السياحة والآثار بأم القيوين، أن المكتشفات الأثرية توثق مراحل تاريخية متعاقبة؛ فمعبد الدور وما يضمه من معبد وقبور وحصن وقصر ومنازل سكنية يعود إلى الفترة من القرن الأول قبل الميلاد حتى القرن الثالث الميلادي، بينما تعود مدينة صيد اللؤلؤ في جزيرة السينية إلى ما بين منتصف القرن الرابع ومنتصف القرن السادس الميلادي، ودير السينية وبيت الأسقف إلى الفترة من نهاية القرن السادس حتى منتصف القرن الثامن الميلادي، والحصون والمباني التاريخية إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
وأضافت أن هذه المكتشفات تؤكد مكانة أم القيوين كمركز تجاري وحضاري مهم على ساحل الخليج العربي، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي الذي ساهم في ازدهار التجارة والتواصل مع الحضارات المختلفة عبر الحقب التاريخية.
وأوضحت أن رحلة الحفاظ على الآثار تبدأ منذ لحظة اكتشافها، إذ تخضع القطع لعمليتي توثيق أول أثناء التنقيب والثانية عند تسجيلها في السجل المتحفي، ثم تمر بمراحل الترميم وفق المعايير العالمية قبل الحفظ في مخازن الآثار أو تجهيزها للعرض المتحفي.
وأشارت إلى أن أعمال الترميم تعتمد على مواد وتقنيات متخصصة تتناسب مع طبيعة كل قطعة، تشمل المواد اللاصقة القابلة للعكس، ومواد التنظيف الدقيقة، ومواد التدعيم غير المتفاعلة مع مكونات القطعة الأصلية، إلى جانب استخدام التصوير الرقمي والتحاليل المخبرية، مع الالتزام بمبدأ الحد الأدنى من التدخل حفاظاً على أصالة القطعة وقيمتها التاريخية.
ولتعزيز هذه الجهود، تتعاون الدائرة مع مختبرات محلية ودولية مثل مختبر جامعة الشارقة، ومختبر جامعة السوربون بأبوظبي، ومختبرات متخصصة في تحليل الكربون المشع، بالإضافة إلى شراكات مع جامعة نيويورك بأبوظبي والبعثات الأثرية الإنجليزية والفرنسية والإيطالية، بهدف تطبيق أفضل الممارسات العلمية في البحث والترميم.
وأكدت قنومه أن العوامل البيئية وفي مقدمتها الرطوبة والأملاح تمثل أبرز التحديات التي تواجه فرق الترميم، مما يتطلب تنفيذ برامج صيانة دورية وإجراءات للحفظ الوقائي لضمان الحد من تأثير هذه العوامل والمحافظة على المواقع والقطع الأثرية.
ويعد مشروع ترميم معبد الدور من أبرز مشاريع صون التراث في الإمارة، إذ يعود تاريخه إلى القرن الأول الميلادي واكتشفه البعثة البلجيكية عام 1987، ويتميز بطراز معماري مستوحى من المعابد الرومانية، شُيِّد بالحجر البحري وكسيت جدرانه بطبقات من البلاستر المحلي.
خلال أعمال الترميم، سُحبت عينات من البلاستر والمونة وحُلِّلت في مختبر جامعة الشارقة، وأثبتت النتائج أن مواد البناء المستخدمة كانت محلية، ما أتاح إعادة استخدام المواد الأصيلة وفق أعلى المعايير المعتمدة في حفظ وصون التراث الثقافي.
وأكدت أن الدائرة تواصل تنفيذ مشاريعها المستقبلية التي تشمل استكمال ترميم حصن أم القيوين، ومباني موقع الدور الأثري، ودير السينية، ومدينة صيد اللؤلؤ في جزيرة السينية، إلى جانب تطوير البنية التحتية للمواقع الأثرية الأخرى، وتوظيف التقنيات الحديثة في التوثيق والعرض، وتعزيز الشراكات الأكاديمية والثقافية، بما يسهم في التعريف بتاريخ الإمارة وإرثها الحضاري.



