الإشارات في البث المباشر: عندما تصبح الحركة جريمة تستدعي العقاب

الإشارات الجسدية والمسؤولية القانونية
أكدت متخصصات في القانون والتوعية المجتمعية أن تجنب الألفاظ الصريحة لا يعفي المستخدم من المساءلة؛ فقد تكون حركة يد، أو إشارة بالوجه، أو نبرة صوت مصطنعة، أو محاكاة ساخرة، وكلها أفعال قد تؤدي إلى مسؤول قانوني إذا حملت دلالة على التهديد أو الإهانة أو التحريض.
وأضافت أن البث المباشر ينتج مادة مرئية وصوتية قابلة للحفظ وإعادة العرض والتحليل، ما يسمح بفحص تفاصيل مثل تعابير الوجه واتجاه النظر ونبرة الصوت وتسلسل الكلمات والحركات، وهي تفاصيل قد لا تظهر في التفريغ الكتابي.
حكم محكمة رأس الخيمة بشأن إشارة الذبح
نظرت محكمة رأس الخيمة الابتدائية في قضية نشأت عن خصومة شخصية تطورت إلى بث مباشر عبر تطبيق «تيك توك»، شهد تبادلاً للعبارات المسيئة والتهديدات أمام المتابعين.
وبينت حيثيات الحكم أن أحد المتهمين مرّر يده على رقبته على شكل إشارة الذبح أمام الطرف الآخر، ورأت المحكمة أن الحركة تمثل دلالة ثابتة على التهديد بإزهاق الروح، خصوصاً أنها صدرت خلال مشادة علنية محتدمة.
وأوضحت المحكمة أن الإشارة لا تحتاج إلى بيان لفظي صريح لتصبح جريمة، إذ جاء سياق المشادة والعداء وتبادل الإهانات ليُعطيها أثراً تهديدياً ومروّعاً.
كما رصدت المحكمة ظهور المتهم نفسه أكثر اندفاعاً واستفزازاً، وترديده كلام الطرف الآخر على طريقة السخرية والاستهزاء وبصوت مصطنع، واستمراره في عبارات الحط من الشأن والتقليل من الاعتبار.
وبناءً على ذلك، عوقب صاحب إشارة الذبح بالحبس ثلاثة أشهر، بينما غرّم الطرف الآخر ألف درهم عن التهم المسندة إليه، مع تأكيد أن تفاوت جسامة الفعل لا يمحو مسؤولية أي منهما عما ثبت صدوره بصورة مستقلة.
توضيحات الخبراء حول تقييم الإشارات
قالت المحامية والمستشارة القانونية سارة البقيشي إن البثوث المباشرة أصبحت جزءاً من الاستخدام اليومي لمنصات التواصل، ولا ترتبط المسؤولية بعدد المتابعين، فقد تترتب حتى لو اقتصر البث على شخصين.
وأوضحت أن المحكمة لا تقيم الإ_signal بشكل منفرد، بل تنظر إلى السياق الكامل: طريقة الأداء، التوقيت، الشخص الموجه إليه، وما سبقها أو أعقبها من كلمات وتصرفات، بالإضافة إلى المعنى المتعارف عليه للإشارة.
وأضافت أن الحركة قد تبدو عادية إذا شوهدت بمعزل عن ظروفها، لكنها قد تحمل مدلولاً مغايراً إذا صدرت خلال مشادة أو اقترنت بعبارات عدائية أو وجهت مباشرة إلى شخص محدد.
وأشارت إلى أن فحص المحتوى المرئي قد يمتد إلى نبرة الصوت وطريقة الحديث، خصوصاً عند تقليد كلام الطرف الآخر بأسلوب ساخر أو باستخدام صوت مصطنع بقصد الاستهزاء، مؤكدة أن هذه التفاصيل قد تكون حاسمة في فهم مدلول التصرف وتحديد طبيعته.
وبدورها، أوضحت المستشارة القانونية والمحامية خديجة سهيل أن أساس المسؤولية الجزائية هو «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص»، وأن النصوص الجزائية يجب تفسيرها في نطاقها المحدد دون توسع، مع الاعتراف بأن التعبير عن الإرادة قد يكون عبر الإشارة أو الحركة، لا يقتصر على الألفاظ المكتوبة أو المنطوقة.
وبينت أن المادتين 132 و135 من قانون المعاملات المدنية تقرران تعدد صور التعبير عن الإرادة، وهو ما أكدته المحاكم العليا في الطعن العمالي رقم 179 لسنة 2013 الصادر بتاريخ 7 يناير 2024، إذ قررت أن التعبير عن الإرادة يجوز أن يكون بالمبادلة الفعلية الدالة على التراضي أو بأي مسلك آخر لا يدع okolic الشك في دلالته.
وأضافت أن ذات الحكم أرسى أن الأصل هو «ألا يُنسب إلى ساكت قول»، إلا أن السكوت قد يعد قبولاً إذا جاء في موضع تقتضي الحاجة بيان الموقف، خصوصاً إذا كان هناك تعامل سابق بين الطرفين.
وأشارت إلى أن قانون الأحوال الشخصية أخذ بالإشارة المفهومة في حالات محددة، فالمادة 34 تنص على انعقاد الزواج بالإيجاب والقبول بلفظ الزواج الصريح، أو بالكتابة عند العجز عن النطق، أو بالإشارة المفهومة عند العجز عن النطق والكتابة، بينما المادة 54 تقضي بوقوع الطلاق بالنطق أو الكتابة بأي وسيلة، وعند العجز عنهما فبالإشارة المفهومة.
وأكدت أن هذه النصوص لا تعني تطبيق أحكام المعاملات المدنية أو الأحوال الشخصية على الجرائم، لكنها توضح أن المشرّع الإماراتي يعترف بأن الإشارة المفهومة قد تعبّر عن إرادة أو موقف واضح، وأن الحركة قد تكون في بعض الظروف أبلغ دلالة من الكلمات.
وفي الجانب الجزائي، أوضحت أن قانون الجرائم والعقوبات الاتحادي يعد الإشارات والحركات والرسوم والصور والرموز من طرق العلانية ووسائل التعبير، وأن التعبير المؤثم قد يكون صريحاً أو بطريق التورية أو المداورة، والعبرة في النهاية بمدلوله والظروف التي صدر فيها ومدى انطباق النص الجزائي عليه.
وأستشهدت بحكم المحاكم العليا في الطعن الجزائي رقم 593 لسنة 2015 بتاريخ 28 سبتمبر 2015، الذي قرر أن جريمة التهديد تستمد خطورتها من الرعب الذي يسببه في نفس المجني عليه وإزعاجه والمساس بأمنه وطمأنينته وحرمته الشخصية، وأن القصد الجنائي يتوافر عندما يثبت أن الجاني ارتكب التهديد مدركاً أثره في إيقاع الرعب واتجهت إرادته لتحقيق ذلك الأثر.
وأكدت الحكم أنه لا يشترط أن يبين الجاني للمجني عليه بعبارة صريحة الأمور الشائنة التي يريد إسنادها إليه، بل يكفي مجرد التلميح أو الإشارة إليها بطريق خفي متى كان مدلولها مفهوماً من سياق الواقعة وكان من شأنها إحداث الأثر الذي عاقب عليه القانون.
وشددت على أن الإشارة لا تصبح جريمة لمجرد صدورها، ولا يجوز افتراض القصد الجنائي أو التوسع في تفسير الحركة، بل يتعين فحص التسجيل كاملاً، وتحديد معناها المتعارف عليه، وطريقة أدائها، والشخص الذي وُجّهت إليه، وما سبقها أو أعقبها من كلمات وتصرفات، وصولاً إلى التمييز بين الحركة العفوية والإشارة التي تحمل مدلولاً مؤثماً يعاقب عليه القانون.
وحذرت من استخدام إشارات ترتبط عرفاً بالعنف أو القتل أو الإيذاء الجسدي، أو اللجوء إلى المحاكاة الساخرة بقصد الانتقاص من الآخرين، خصوصاً إذا تناولت حالتهم الصحية أو إعاقتهم أو صفاتهم الشخصية، مبينة أن سهولة تنفيذ الحركة وسرعة انتشارها لا تقللان من خطورتها أو آثارها.
الدعوة لاستخدام مسؤول للمنصات
قالت المحاضرة والمدربة الدولية في القيادة والتوعية المجتمعية عائشة الكندي إن الإشارات الجسدية تمثل جزءاً أساسياً من عملية التواصل بين الأفراد، وقد تحمل رسائل أشد تأثيراً من الكلمات، خصوصاً في البثوث المباشرة التي تجمع بين الصورة والصوت والتفاعل الفوري مع الجمهور.
وأوضحت أن بعض المستخدمين قد يلجؤون إلى الحركات أو تعابير الوجه أو التقليد الساخر اعتقاداً منهم بأنها أقل خطورة من العبارات المنطوقة، بينما قد يفهم المتلقيها باعتبارها تهديداً أو إهانة أو تقليلاً من شأنه، ما يؤدي إلى تصاعد الخلاف وتحوله من تفاعل رقمي إلى خصومة تمتد آثارها إلى الواقع.
وأضافت أن وجود جمهور يتابع البث قد يدفع بعض الأشخاص إلى المبالغة في ردود أفعالهم أو الاستمرار في الاستفزاز من أجل زيادة المشاهدات والتفاعل، ما يضاعف الأثر النفسي والاجتماعي للإساءة، خصوصاً عندما يعاد تداول المقطع خارج نطاق البث الأصلي.
وحذرت من المحاكاة الساخرة للأشخاص أو تقليد ذوي الإعاقة والمرضى بقصد الإضحاك أو الانتقاص، مؤكدة أن هذه التصرفات لا تمس الشخص المستهدف وحده، بل قد تكرس سلوكيات التنمر والاستهزاء وتؤثر في فئات أخرى تشترك معه في الحالة الصحية أو الإعاقة أو الصفة التي استُخدمت مادة للسخرية.
وأكدت أن التوعية بالاستخدام المسؤول للمنصات يجب ألا تقتصر على الكلمات الممنوعة أو العبارات المسيئة، بل ينبغي أن تشمل أيضاً الحركات والإشارات وتعابير الوجه، باعتبار أن كل ما يظهر أمام الكاميرا يتحول إلى جزء من الرسالة التي تصل إلى الجمهور، ويمكن حفظها وإعادة تداولها.
وشددت على أهمية ضبط الانفعال أثناء البث المباشر، والتوقف عن النقاش عند تحوله إلى مشادة، وعدم السماح لتعليقات المتابعين أو محاولات الاستفزاز بدفع صاحب الحساب إلى تصرف قد يندم عليه لاحقاً، مؤكدة أن إنهاء البث في لحظة التوتر يمثل سلوكاً واعياً يحمي صاحبه والآخرين من تفاقم النزاع.



