حديث استراتيجي في ملتقى التطوير الدفاعي يكشف فجوات الجامعات وسبل الشراكة

يوجد نوعان من الجهات التي تتعامل مع الملاحظات: النوع الأول يسعى لتوضيح الصورة الكاملة ويعترف بأن بعض الجوانب قد تكون غائبة عن الكاتب أو عن الجهة نفسها، ويهدف إلى الوصول إلى فهم مشترك للحقيقة. النوع الثاني يแสดง استياء من النقد ويتصرف كما لو أن العلاقة تنقطع عند أول ملاحظة، ويبدو أنه يرفض أي انتقاد ويعتقد أن كل شيء يسير على ما يرام.
النوع الثالث يأخذ الأمر على محمل شخصي، فيلتجئ إلى الشكوى لرئيس التحرير أو غيره، وهي خطوة نادرًا ما تُحدث فرقًا لأن المشكلة لا تكمن في ما كُتب بل في ما لم يُعالج من قصور. طالما استمر الخلل، سيستمر النقد بدوره.
حديث مسؤول يعكس فكرًا استراتيجيًّا
في الملتقى، لفت انتباهي حديث الدكتور خالد البياري، مساعد وزير الدفاع، الذي لم يكن مجرد تكرار لعبارات معتادة بل كان حديثًا يُظهر عقلية استراتيجية حقيقية، خصوصًا في مجالنا الذي يتطلب وضع استراتيجيات. كثير من المسؤولين يتحدثون طوال العام في مناسبات متعددة، وتظهر كلماتهم منظمة ومصاغة بعناية، لكنها تظل مجرد كلمات.
الفرق يكمن في من يتحدث بعقلية تستوعب التحولات الكبيرة وتربط بين الأحداث والمتغيرات؛ فهذا مستوى مختلف تمامًا. ما أثار انتباهي هو عمق إلمامه بالتغيرات المتسارعة في التقنيات والاستراتيجيات الدفاعية worldwide. نحن نكتب غالبًا أن ما يحدث اليوم من تحولات دراماتيكية في طبيعة الحروب ووسائلها ربما لم يشهد له العالم مثيلًا منذ الحرب العالمية الثانية، ونؤكد على ضرورة دراسة دروس الحرب الروسية‑الأوكرانية.
لكن الدكتور البياري أظهر اطلاعًا تفصيليًّا ومحدثًا على أحدث التطورات والأفكار، حتى تلك التي لا تزال تُناقش في مراكز الفكر العالمية (Think Tanks)، وبعضها لم يمضِ عليه سوى أيام قليلة. وشرح أن وتيرة التطور الحالية باتت قريبة من ثورة تكنولوجية؛ فالتقنية الجديدة اليوم قد تصبح قديمة وغدًا غير مستخدمة.
قد يتساءل البعض عما هو غريب في أن يكون مسؤول دفاعي على دراية بآخر التطورات. الجواب الصريح أن الغريب ليس وجود مسؤول مطلع، بل أن بعض من نلتقي بهم في المؤتمرات والمعارض من ذوي الخلفيات العسكرية ما زالوا يحملون أنماط تفكير تقليدية قديمة لا تتقبل التحولات الحديثة ولم تستوعبها. هذه الظاهرة ليست جديدة؛ تاريخيًا نجد أن بعض المهن ذات الطبيعة التقليدية العميقة تكون أكثر مقاومة للتغيير، مثل الطب والمؤسسات الدينية والعسكرية.
كان من المطمئن رؤية هذا المستوى من الوعي والانفتاح لدى القيادات العليا في الوزارة تجاه هذه التحولات المتسارعة.
الذكاء الاصطناعي والتطوير الأكاديمي
من الجوانب التي طالما نادينا بها في مقالاتنا موضوع الذكاء الاصطناعي داخل المنظومة العسكرية. سبق أن طرحنا فكرة أن يصبح الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والتقنيات الحديثة جزءًا أساسيًّا من التدريب والتأهيل لمنسوبي الوزارة، وأن تكون هناك نسبة معتبرة مثل 15% من الكوادر متخصصة في هذه المجالات.
الحروب الحديثة لم تعد تُدار بالصورة التقليدية القائمة على الجندي والبندقية فقط، بل أصبحت تُدار عبر أنظمة ذكية وحروب عن بُعد وتقنيات ذاتية التشغيل. يكفي أن نعلم أن أعداد الطائرات المسيّرة المستخدمة في الحرب الروسية‑الأوكرانية وصلت إلى ملايين الوحدات!
كان هناك تساؤل سابقٌ، نظرًّا لخلفية الدكتور في الاتصالات والمعلومات، أنه من المفترض أن يدعم دخول الذكاء الاصطناعي للوزارة. وأوضح بجلاء في هذا الملتقى أنه مهتم ومطلع وداعم كامل لهذا التوجه، quoting his remark “He’s on top of things”.
التحديات الأكاديمية وسبل التقدم
ولفت انتباهي أيضًا شفافية الدكتور فالح السليمان، محافظ هيئة التطوير الدفاعي، عندما تحدث بصراحة عن مخرجات الجامعات، وأشار إلى أن كثيرًا من الأبحاث ما زالت تدور في الإطار النظري دون أن تتحول إلى نتائج عملية ملموسة. وأعتقد أنه أصاب جوهر القضية.
التطوير الدفاعي عالميًّا يبدأ من الجامعات ومراكز الأبحاث، لكن المشكلة لدينا ليست في الإمكانات بل في البناء الهيكلي والتنظيمي. لعقود طويلة ظل التركيز على الإنتاج النظري والحشو الأكاديمي أكثر من التركيز على تحويل المعرفة إلى منتج أو تقنية أو مشروع حقيقي قابل للتطبيق.
مهما قدمت هيئة التطوير الدفاعي من دعم ومبادرات ومساندة، فإن المشكلة الجوهرية ستظل مرتبطة بثقافة الجامعات نفسها ومخرجاتها. فمهما فعلت الهيئة من حاضنات ومسرعات وشراكات للجامعات، المشكلة الجوهرية تبقى في البنية الهيكلية والمخرجات نفسها. العلاقة بين الهيئة والجامعات تذكرنا بالمثل الشعبي: «انفخ يا شريم، قال ما هنا برطم!». الهيئة تشجع الجامعات ولكن، كما يقول المثل: يمكنك أن تأخذ الحصان إلى الماء، لكنك لا تستطيع إجباره على الشرب.
وبكل صراحة، ورغم أنني أتحدث هنا بصفتي أكاديميًّا أيضًا، فإننا في عام 2026 ما زلنا نرى عددا محدودا جدًّا من الأبحاث النوعية ذات الأثر العملي الحقيقي، مع استثناءات قليلة، ربما بحث أو اثنان من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، والباقي يبقى بدائيا من حيث الطموح والتنفيذ.
قد نبدو قاسين في انتقاد الجامعات، وهذا واقع يجب الاعتراف به، لكن من باب العدالة يجب أن نقول أيضًا إن النظام الحالي لا يشجع الأساتذة على الإبداع والابتكار. لماذا يستنفد الأستاذ الجامعي جهده ووقته في مشروع ابتكاري، وحتى لو نجح، فإن هذا لا يضيف إلى حياته المهنية ما يستحق؟ قد يُعامل المشروع الناجح مثل معاملة نشر بحث في مجلة غامضة في أطراف العالم لا أحد يقرأها.
في المقابل، الجامعات الكبرى حول العالم ــ مثل هارفارد وMIT وستانفورد وطوكيو وأوساكا ــ لديها نظام مختلف تمامًا. إذا حصل أستاذ على براءة اختراع أو طور مشروعًا ابتكارِيًّا، فإن الجامعة توفر له نظام دعم كامل (ecosystem). وإذا تحول البحث أو الاختراع إلى منتج تجاري، قد يحصل الأستاذ على نسبة تصل إلى 33% من الدخل في بعض الجامعات.
بطبيعة الحال، عندما تكون الحوافز حقيقية، يحرث الأستاذ الجامعي الأرض بجدية للإنتاج العملي. بعض الأصدقاء والزملاء المقربين في هارفارد وبوسطن كوّنوا ثروات بمئات الملايين من خلال براءات اختراعاتهم ومشاريعهم. بينما هنا، الأستاذ الجامعي قد يغادر الجامعة دون شيء يذكر.
بعض الجامعات السعودية، للأسف، استنسخت كثيرا من الجامعات العالمية وقد تأخذ الشكل والهيكل، لكن عندما يتعلق الأمر بالتطبيق الفعلي والحوافز الحقيقية للأستاذ الجامعي المخترع، توقفت!
نصائح للهيئة والتوجهات المستقبلية
أختتم بنصيحة للإخوة في هيئة التطوير الدفاعي: استمروا في دعم الجامعات وتطويرها بقدر المستطاع، لكن ربما لا ينبغي بناء التوقعات بالكامل عليها في هذه المرحلة. وفي المقابل ركزوا على التعاون الكثيف مع دول الشرق والمنطقة وجنوب إفريقيا في التطوير الدفاعي. هذه الشراكات الإقليمية غالبا ما تكون أكثر إنتاجية وأقل تعقيدا من الشراكات الغربية.
أما بخصوص التعاون الغربي، فمن خبرة امتدت لعقود، نقول بوضوح: «حبالهم طويلة ومساميرهم أطول». نتائج التعاون مع الشركاء الغربيين في التطوير الدفاعي خيّبت الآمال في كثير من الحالات، وهم بخلاء حتى التقتير في نقل التقنية والمعرفة الحقيقية.
الإستراتيجية الأفضل هي بناء قدرات محلية وإقليمية قوية، مع الحفاظ على الشراكات الغربية كمتمم وليس كأساس.



