الرئيسيةأخبار السعوديةمحمد توفيق بلو يحلل تحديات ربحية...
أخبار السعودية

محمد توفيق بلو يحلل تحديات ربحية النشر السعودي ويدعو لنموذج اقتصادي مستدام

20/08/2026 17:00

التحديات الاقتصادية التي تواجه صناعة الكتاب

مع توسع المحتوى الثقافي وتنوع منصات الوصول للقراء، تواجه صناعة الكتاب معادلة اقتصادية معقدة؛ حيث ترتفع تكاليف الإنتاج، وتزيد عمولات التوزيع، وتترافق مع نفقات المعارض والشحن والتسويق، ما يضيق هامش الربح ويضع دور النشر الصغيرة والكتاب أمام تحدي الاستدامة.

رؤية بلو حول هيكل التكاليف والحلول المقترحة

يؤكد محمد توفيق بن أحمد بلو أن اقتصاد الكتاب لا يبدأ عند المطبعة ولا ينتهي عند رف المكتبة، بل يقوم على سلسلة متكاملة من التكاليف تبدأ بالتأليف والتحرير والتدقيق والتصميم والإخراج، وتمتد إلى الطباعة والتسويق والتوزيع والبيع. ويشير إلى أن molti المؤلفين الجدد يظنون أن الطباعة هي التكلفة الأساسية، بينما التكلفة الفعلية موزعة على مراحل متعددة تسبقها وتليها، وأن خفض الإنفاق على التحرير والتدقيق والتصميم قد يؤثر سلبًا على جودة المنتج وقابليته للتسويق.

ويستشهد بلو بتجربة “سطور للنشر” لإصدار عام 2025، حيث بلغت تكلفة طباعة 155 نسخة نحو 5650 ريالًا، مقابل إيرادات بلغت 6773 ريالًا، أي بفارق لا يتجاوز 1123 ريالًا قبل احتساب المصروفات الإدارية والتسويقية والتشغيلية؛ موضحًا أن ارتفاع المبيعات لا يعني بالضرورة تحقيق ربح حقيقي، وأن دورة الإنتاج قد تستهلك معظم العائد قبل وصوله إلى المؤلف أو الناشر.

مقترحات لتحسين الهامش الاقتصادي وتنويع القنوات

يرى بلو أن اتجاه دور النشر الصغيرة إلى تقليل حجم الطبعات وفق الطلب يساعد على الحفاظ على السيولة وتجنب تجميد رأس المال في مخزون بطيء الحركة. ويضيف أن قنوات البيع والتوزيع تستحوذ على جزء كبير من قيمة الكتاب، حيث قد تصل عمولة بعض نقاط البيع والمكتبات إلى 50% من السعر، وبعد اقتطاعها وتقاسم العائد المتبقي يصبح الهامش الاقتصادي محدودًا.

ويشير إلى أن المشاركة في معارض الكتب، رغم أهميتها الثقافية، ليست بالضرورة مجدية اقتصاديًا لكل دار نشر، خصوصًا الصغيرة؛ مستشهدًا بمشاركة بلغت تكلفتها 10000 ريال شاملة الاشتراك والسفر والشحن وتوفير موظف للمبيعات، بينما لم تتجاوز إيرادات المبيعات 10% من إجمالي التكلفة.

ويعتبر أن البيع المباشر عبر المتاجر الإلكترونية قد يمنح هامشًا أفضل في بعض الحالات بسبب انخفاض تكاليف تشغيل المنصة مقارنة بقنوات البيع التقليدية، لكنه ينقل مسؤولية التسويق إلى الناشر الذي يواجه ارتفاعًا في تكلفة الوصول إلى الجمهور وسط منافسة رقمية متزايدة.

ويلاحظ أن تكلفة شحن الكتاب الواحد قد تصل إلى 25 ريالًا، وهي تقترب من سعر الكتاب أو تتجاوزه في بعض الإصدارات، مما يؤدي إلى تراجع بعض العملاء عن إتمام الشراء بعد إضافة تكلفة الشحن.

الدعوة إلى تمويل ميسر وتحول رقمي وتنويع التوزيع

وبناءً على هذه المعطيات، يدعو بلو إلى التعامل مع النشر الثقافي كصناعة فكرية وقطاع من قطاعات الاقتصاد الإبداعي، وليس كنشاط تجاري تقليدي يُقاس جدواه بمؤشرات البيع المباشر seul. ويطالب بتمويل ميسر لدور النشر من خلال صندوق التنمية الثقافي أو القطاع المصرفي، بالإضافة إلى زيادة الجوائز والمسابقات وتنويع مستوياتها لتحفيز التأليف وخلق حركة اقتصادية أوسع حول الكتاب.

ويؤكد على أهمية إعادة النظر في خريطة توزيع الكتاب، وعدم حصره في المكتبات التقليدية، وإتاحته في المقاهي والأسواق والمتاجر وغيرها من المواقع التي يرتادها الجمهور؛ لأن توسيع منافذ البيع يخلق منافسة أكبر ويمنح الناشر خيارات متعددة للوصول إلى القارئ، وقد يسهم في خفض العمولات المرتفعة.

ويضع بلو التحول الرقمي ضمن الحلول التي يمكن أن تعيد تشكيل اقتصاديات النشر، خصوصًا من خلال تطوير منصات منخفضة التكلفة تساعد دور النشر الصغيرة على تحويل إصداراتها الورقية إلى كتب إلكترونية وصوتية، وتسويقها وبيعها داخل المملكة وخارجها، ما يوسع قاعدة المستهلكين ويقلل من بعض تكاليف التوزيع التقليدي.

خلفية شخصية ورؤية مستقبلية

هذه الرؤية تنبع من تجربة شخصية ومهنية امتدت بين التأليف والنشر والعمل الثقافي؛ فبلو، المولود في جدة عام 1962م، بدأ مسيرته العملية في الخطوط الجوية العربية السعودية، حيث أمضى 13 عامًا في مجالات الخدمة الجوية والتدريب، قبل أن يتقاعد مبكرًا عام 1990م بعد فقدانه البصر تدريجيًا نتيجة مرض وراثي نادر في شبكية العين. وحوّل تجربته الإنسانية إلى مسار ثقافي، مؤلفًا لعدد من الكتب، من بينها “حصاد الظلام” الصادر عام 2002م، إلى جانب مشروع “رحلتي عبر السنين” الذي يرصد من خلال تجربته الشخصية تحولات اجتماعية ومهنية في المجتمع السعودي.

كما يعمل بلو وكيلًا أدبيًا مرخصًا، مما يضعه في تماس مباشر مع العلاقة الاقتصادية بين المؤلف والناشر، بالإضافة إلى اهتمامه بتوثيق سيرة الأديب السعودي الراحل طاهر زمخشري، ومواصلة مشروعه التوثيقي والثقافي عبر إصداراته الجديدة، ومنها الجزء الثالث من “رحلتي عبر السنين” titulado “على عتبة الحلم” الذي صدر في أغسطس 2026م.

وفي قراءة بلو، فإن مستقبل صناعة الكتاب لا يتوقف على زيادة عدد العناوين أو النسخ المطبوعة، بل على قدرة المنظومة بأكملها على تحقيق معادلة اقتصادية عادلة: قارئ يحصل على كتاب جيد بسعر مقبول، ومؤلف يحصل على عائد يتناسب مع جهده وحقوقه، وناشر يمتلك هامشًا اقتصاديًا يسمح له بالاستمرار والاستثمار في إنتاج محتوى جديد.

وبذلك تصبح قضية الكتاب السعودي أبعد من سؤال المبيعات؛ إنها، في جوهرها، سؤال عن كيفية بناء سوق ثقافي قادر على الاستمرار، وتحويل الكتاب من منتج محدود الهامش إلى مكوّن فاعل في الاقتصاد الإبداعي، يستفيد من التمويل، والتحول الرقمي، وتنوع قنوات البيع، ونمو قاعدة القراء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *