الرئيسيةأخبار السعوديةذكريات أبي: سيرة رجل عطاءٍ وتفانٍ...
أخبار السعودية

ذكريات أبي: سيرة رجل عطاءٍ وتفانٍ في خدمة الأسرة والمجتمع

23/05/2026 11:01

كان يظن الكاتب أن الفراق قد انتهى، وأن ما يحدث هو من طبيعة الحياة، فكان إيمانه أن الروح التي تنطلق إلى ملكوت الله تتحرر من قيود الجسد الفاني. مرت الأيام بصورة رتيبة، ثم استرجعت الذاكرة طيف الأب من بين سُحب النسيان، وكشفته في صورته المشرقة التي رافقته منذ فجر حياته.

أربعون يوماً من الفراق والحنين

بعد أربعين يوماً من الانقطاع، لم يكن قد غاب عن أبي من قبل ولا غاب عن نفسه، فتفتحت أبواب الذكريات وتسلل الأسى إلى القلب. نما الشعور بفقد صاحب الهمة العالية، والصوت الحنون، والشيمة الرفيعة، والحكمة المتعمقة، والبصيرة الواضحة، والتدين السمح، والصبر في أوقات البلاء، والحلم في مواقف الغضب.

حكمته ورعايته منذ الصغر

كان الأب يتعامل مع أبنائه برفق منذ صغرهم، فكانوا يعيشون في ظله، ويتخذون منه مرجعاً في كل شؤون حياتهم، من اختيار الذهاب إلى المدرسة أو البقاء فيها. لم يزد عدد ثمار المثابرة ولا مغبة الغياب. ظل يحنو عليهم وكأنهم لا يزالون صغاراً، فكان يرغب في مرافقتهم إلى المحاضرات أو اللقاءات الأدبية حتى لا يشعروا بالوحدة، لكنه كان يثنيهم عن ذلك خوفاً من أن يثقل عليهم سفره أو تكاليف تذكرة السفر.

إيثاره وتفانيه في خدمة الآخرين

كان يتنازل عن بعض حقوقه لإرضاء أقاربه وتجاوز الخلافات، فيستدركهم قائلاً: «ما تركت لله، سيبدلني الله خيراً منه». وترددت كلمته التي حفظوها طويلاً: «إن الله يصنع فيّ»، أي أن تدبير الله يجعل الأمور تصب في مصلحته دون تدبير من قبله.

كان بيته مفتوحاً للضيوف سواء كان حاضراً أو غائباً، يكرم كل طارق أو غريب أو عابر سبيل، ولا يخصّص شيئاً لنفسه سوى دخل قليل لكنه مبارك. لم يكن يأسى على فقدان شيء من متاع الدنيا؛ فالقيمة التي يضعها للمال تقاس بمدى تحقيقه للمكارم، وتلبية الحوائج، وإعطاء الستر. كان يردد دوماً: «خير المال ما سدّ الفجر»، أي ما يُنفق في أداء الواجبات أو تلبية حاجات الآخرين، وليس ما يُدَّخر.

مبادراته في تنمية القرية وتطوير التعليم

سعى إلى فتح الطريق إلى قريته والقرى المجاورة رغم معارضة كثير من الأهالي، وضحى بالجهد والمال في إيصال الكهرباء والسقيا إلى القرية، كما عمل على تجديد بناء المسجد وتوسيعه بطراز حديث، وتنازل عن إحدى مزارعه لإقامة برج للاتصالات دون أي مقابل. لم تُحصى أيده ومبادراته في خدمة الناس، رغم أن بعضهم يظن أنه يسعى وراء مصالح شخصية، لكنه لم يردّ ذلك.

كان معلم القرآن في ثلاث مدارس، وعند افتتاح المدارس الحكومية أودع أبنائه لدى أصدقائه في بلدات بعيدة للالتحاق بالمدارس. سعى لفتح مدارس للبنات، وبذل جهداً في إقناع الأهالي بضرورة تعليم بناتهم، ورَافَق أخواته إلى معهد المعلمات، متحملًا مشقات التنقل حتى تخرجن وأصبحن أول ثلاث معلمات سعوديات في مدرستهن الأولى.

عندما اضطر إلى مغادرة بيته وقريته، كلف من يقيم مسجده ليرافق أمه في رحلة علاج استمرت ثمانية أشهر، تنقّلت فيها بين مدن ومستشفيات مختلفة، حتى انتهت باللقاء برحمته. كان يعتذر لأبنائه قائلاً: «أعلم أن مرافقتي لكم في الأسفار تزيد الأعباء، ولكنها تسليتها وتطمئني».

بعد ذلك، تخلى عن بيته وقريته التي أقام فيها طويلاً ليستقر في المدينة قرب أبنائه وبناته. عندما علق أحدهم على ذلك، رد قائلاً: «أكره أن أشق عليكم أو أجُرّ عليكم العقوق». عانى المرض لسنوات طويلة صابراً، معطيًا العون للآخرين، وربما كتم ألمه لئلا يؤلمهم، وقد قال له أحدهم: «لقد استبطأت الموت ولكني أكره أن تجزعوا».

تستدعي الذاكرة طيفه في غيابٍ يجلوه، فيحاصر الكاتب الفقد وتغمره صور جميلة، شيم كريمة، ومواقف ناصعة. وعزاؤه رحمة الله لمن كان رحيمًا، وإحسانه لمن كان محسنًا، وكرمه لمن كان كريمًا في دنياه، ولطفه لمن كان لطيفًا مع الأيتام والغرباء والمساكين، عطوفًا عليهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *