لويس دياز: من أحياء الوايو المتقشرة إلى أضواء المونديال

تتخلل عالم كرة القدم العديد من الحكايات الإنسانية التي تكشف عن كفاح نجومٍ شقوا طريقهم من بين صخور الفقر إلى أضواء الشهرة. من بين هؤلاء يبرز اسم لويس دياز، اللاعب الكولومبي الذي ارتقى من طفولة صعبة في قرية نائية إلى أن يصبح أحد أعمدة منتخب بلاده في نهائي كأس العالم.
بدايات صعبة في قرية بارانكاس
ينتمي دياز إلى قبيلة الوايو الأصلية، التي عانت طويلاً من التهميش والفقر. عاش في منزلٍ مبني من الطين والخشب في منطقة تفتقر إلى التيار الكهربائي والمياه الصالحة للشرب. اضطر الصغير إلى مساعدة والده في بيع العصائر على الأرصفة لتأمين لقمة العيش.
في ظل هذه الظروف القاسية وجد الطفل ملاذه الوحيد في كرة القدم، حيث كان يجري حافي القدمين على أراضي طينية، مستعرضاً موهبة فطرية في السرعة والمهارة جذبت انتباه من حوله منذ نعومة أظفاره.
معاناة التغذية وإصرار لا يلين
لم تكفِ الموهبة وحدها لتقضي على الشكوك؛ فقد عانى «لوتشو»، كما كان يُدعى بين أصدقائه، من سوء تغذية مستمر تركه بهيكل جسدي ضعيف. شهدت منطقته وفاة آلاف الأطفال نتيجة الجوع خلال العقود الأخيرة، وبقاؤه على قيد الحياة كان بحد ذاته انتصاراً.
واجه دياز صعوبة في جذب انتباه الكشافين، إذ كان يُستبعد في كثير من المناسبات بسبب نقص القوة الجسدية وعدم قدرته على خوض الاشتباكات القوية داخل الملعب.
الانطلاق عبر كوبا أمريكا للشعوب الأصلية
تغير مسار حياته عندما استُدعي للمشاركة مع منتخب كولومبيا في بطولة «كوبا أمريكا للشعوب الأصلية». رغم تحفظات المدرب آنذاك جون بوتشيو على حالة دياز الجسدية، أصر الشاب على إثبات ذاته، وتم اختياره ضمن القائمة النهائية التي ضمت 26 لاعباً من بين حوالي 400 مرشح.
أظهر أداءً لافتاً خلال البطولة، حيث سجل هدفين قاداه إلى النهائي، مما نال إعجاب أسطورة الكرة الكولومبية كارلوس فالديراما الذي أوصى بنقله إلى نادي أتلتيكو جونيور.
من أتلتيكو جونيور إلى أوروبا
انضم دياز إلى أتلتيكو جونيور في الثامنة عشرة من عمره. استمر بعض المدربين في التشكيك في قدرته بسبب بنية جسده الضعيفة، بينما آمن آخرون بموهبته الفريدة وسرعته ومهاراته الفنية. انتقل إلى فريق بارانكيا الشريك لأتلتيكو جونيور، حيث خضع لبرنامج غذائي خاص وزاد وزنه نحو عشرة كيلوجرامات، إلى جانب تطوره الفني في دوري الدرجة الثانية.
عاد إلى أتلتيكو جونيور أقوى وأكثر نضجاً، وساهم في فوز الفريق ببطولة الدوري الكولومبي عام 2018 مسجلاً 20 هدفاً في 106 لقاء. في عام 2019 انتقل إلى بورتو البرتغالي، حيث أضاف إلى رصيده 41 هدفاً في 125 مباراة، وساعد الفريق على حصد لقبي الدوري البرتغالي وكأس البرتغال.
الخطوة الكبرى جاءت عندما وقع مع ليفربول الإنجليزي مقابل مبلغ يقارب 37.5 مليون جنيه إسترليني. تحت إشراف يورغن كلوب، سرعان ما برز كأحد نجوم الفريق، مخلفاً بصمة واضحة منذ ظهوره الأول في ملعب أنفيلد.
تحديات جديدة وإنجازات على الساحة العالمية
يتابع أبناء قبيلة الوايو صعوده بفخر، معتبرين نجاحه رمزاً للصمود على الفقر والتمييز الذي عانوا منه لسنوات طويلة. لم يخلُ مسيرته من مصاعب، فخلال فترة لعبه مع ليفربول تعرض والده، لويس مانويل دياز، للاختطاف على يد جماعة مسلحة في كولومبيا، لكن تم تحريره بسلام بعد 13 يوماً.
اليوم يستعد لويس دياز لتمثيل كولومبيا في أولى مبارياته ضمن كأس العالم ضد أوزبكستان، حاملاً معه قصة كفاح بدأت في شوارع بارانكاس الفقيرة. بالنسبة للرياضي الذي عرف الجوع والعطش ولعب حافي القدمين على التراب، تبدو ضغوط المونديال أقل شدة مقارنةً بالمعارك التي خاضها منذ صغره.



