استقطاب الأجانب في فرق الناشئين يهدد فرص اللاعبين المحليين

في كل مرحلة زمنية تظهر أفكار تهدف إلى التطوير سعياً وراء التغيير وبناء مستقبل أفضل للكرة المحلية. ومن بين هذه الأفكار، ما شهدته فئة المراحل السنية في السنوات الأخيرة من السماح بتسجيل الأجانب والمقيمين في صفوف فرق الناشئين والأشبال، وهو توجه يصعب رفضه من حيث المبدأ، حيث كان يهدف إلى جذب المواهب والخامات المتواجدة على أرض الدولة للاستفادة من قدراتهم الفنية والمهارية. فهذه الخطوة كانت إيجابية لو طبقت وفق ضوابط واضحة ورؤية مدروسة، لكن ما يجري على أرض الواقع يثير تساؤلات عديدة.
تحول ديموغرافي في الفرق السنية
فالأمر لم يعد مقتصراً على ضم موهبة استثنائية أو مهارة نادرة، بل تحول تدريجياً إلى تغيير في التركيبة الديموغرافية لهذه الفرق، حتى أصبح بعضها يتكون بالكامل من لاعبين أجانب. في الوقت نفسه، تضاءل ظهور ومشاركة أبناء النادي المحليين، وأصبح بعضهم يبحث عن مكان آخر يحتضن هوايته، رغم أن الأندية أنشئت أساساً لرعاية النشء المحلي وتنمية قدراتهم البدنية والسلوكية.
غياب التوازن وتهديد الهوية الوطنية
وبلا شك، ليست المشكلة في وجود لاعب موهوب مهما كانت جنسيته، فالموهبة لا تعرف الحدود، لكن الإشكالية تكمن في غياب التوازن. فعندما تنشغل الأندية بالبحث عن هذه الفئة واستقطابها وتوجيه جل اهتمامها نحوها، فإن ذلك قد يأتي على حساب اللاعب المحلي الذي يفترض أن يكون محور مشروع البناء الرياضي الوطني.
وتؤكد التجارب العالمية أن نجاح أي منظومة رياضية يبدأ من الاستثمار في أبناء البلد، مع الاستفادة المدروسة من المواهب الأخرى، بحيث لا تتحول الاستثناءات إلى قاعدة. فالهدف من مسابقات الناشئين ليس فقط تحقيق البطولات، بل أيضاً إعداد أجيال تمثل المنتخبات الوطنية وتحمل هوية الكرة المحلية في المستقبل. مع التأكيد على أننا لسنا ضد استقطاب المواهب المميزة، لكن مع تنظيم الأمر وفق معايير وشروط تضمن تحقيق الفائدة للجميع وتحفظ في الوقت نفسه حق أبناء الوطن في فرص عادلة للظهور والتطور والمنافسة.
مخاطر الاستمرار دون مراجعة
لذا، فإن الاستمرار في هذا النهج دون مراجعة قد يقود إلى نتائج لا تبدو واضحة اليوم، لكن قد يظهر أثرها لاحقاً على منظومة المنتخبات الوطنية وتراجع ارتباط الأندية ببيئتها المجتمعية، مع فقدان جزء من الهوية التي تأسست عليها رياضاتنا منذ أن أبصرت النور. فالأندية ليست مجرد محطة لتحقيق نتائج آنية، بل هي مصانع للهوية والانتماء والمستقبل. وعندما تضيع البوصلة، قد نكسب مباراة، لكننا قد نخسر جيلاً كاملاً.



