تغطية الإصابات في الرياضات غير الكروية بالإمارات.. علاج دون ضمان للراتب

تتفاوت طرق التعامل مع الإصابات الرياضية في الألعاب الفردية والجماعية خارج كرة القدم في الإمارات، حيث تتولى بعض الاتحادات نفقات علاج لاعبي المنتخبات الوطنية، بينما تقدم أندية أخرى رعاية طبية تستند إلى عقود اللاعبين وإمكاناتها. ويوجد أيضاً منتج تأميني متخصص، مثل ذلك المقدم للاعبي الدراجات الهوائية مقابل 350 درهماً للموسم. لكن هذه النماذج تثير تساؤلاً جوهرياً: هل تقتصر الحماية على العلاج فحسب، أم تمتد الحاجة إلى تأمين يحمي حقوق اللاعب المالية إذا تعرض لإصابة طويلة أو اضطر إلى إنهاء مسيرته؟
وتشير تصريحات مسؤولين رياضيين إلى أن الفارق لا يرتبط بوجود رعاية طبية وحدها، بل يتعلق بطبيعة التغطية وحدودها، فالتأمين الصحي قد يشمل العلاج لكنه لا يضمن استمرار الراتب أثناء الغياب أو الحصول على تعويض عن الإصابة التي تنهي المشوار الرياضي.
من العلاج إلى التعويض: فجوة في نطاق الحماية
هناك تباين واضح في نطاق الحماية التي يحصل عليها الرياضي خارج كرة القدم. بعض الجهات تتكفل بالعلاج في حالات محددة، فيما يعتمد آخرون على التأمين الصحي المتاح لديهم أو الخدمات الطبية التي توفرها الأندية. أما في رياضة الدراجات، فقد ظهر منتج متخصص للموسم، بينما لا يزال بند التأمين الصحي في الكرة الطائرة ضمن عقود مؤجلة التطبيق.
غير أن التحدي الأكبر يكمن في تحديد ما إذا كانت التغطية تشمل العلاج وحده، أم تمتد إلى التأهيل الطويل الأمد والتعويض عن الإصابة أو فقدان الدخل. هذه الجوانب تختلف وفقاً لنوع الوثيقة والعقد وشروطهما، ولا يمكن افتراض شمولها من دون نص واضح.
وتظهر الحاجة إلى تحديد مسؤوليات الاتحادات والأندية واللاعبين، وتوضيح حدود التغطية وآليات الاستفادة منها، بما يضمن معرفة الرياضي بحقوقه قبل وقوع الإصابة، بدلاً من ترك المسائل المالية والطبية للاجتهادات بعد الحادث. فحماية اللاعب لا تكتمل بتوفير العلاج فحسب، بل تتطلب إطاراً واضحاً لما يستحقه في حالات الإصابة المختلفة، خاصة عندما تحول الإصابة دون عودته إلى المنافسات أو تنهي مسيرته قبل أوانها.
تجارب متفاوتة في التغطية: بين تأمين المعدات وعلاج المنتخبات
أكد منصور بوعصيبة، رئيس اتحاد الإمارات للدراجات، أن الاتحاد وفر منتجاً تأمينياً متخصصاً بالتعاون مع شركة دبي الوطنية للتأمين، مقابل 350 درهماً للموسم، بهدف تخفيف الأعباء المالية الناتجة عن الحوادث والإصابات خلال السباقات. وتشمل التغطية – وفقاً للتوضيحات المتاحة – الحالات الطارئة والإصابات الناجمة عن السقوط والحوادث، إضافة إلى الأضرار التي تلحق بالدراجة، بما يوفر حماية للاعب ومعداته الرياضية.
وأوضح بوعصيبة أن الفكرة جاءت بعد تعرض لاعبين لمواقف صعبة حين احتاجوا إلى العلاج في مستشفيات خاصة قرب مواقع المنافسات دون تغطية تأمينية مناسبة، ما عرضهم لنفقات مرتفعة، حتى إن أحدهم اضطر إلى مغادرة المستشفى بعدما أدرك حجم التكاليف. وأشار إلى أن المنتج حصل على موافقة وزارة الاقتصاد، مؤكداً أهمية تعريف اللاعبين ببنود الوثيقة وشروطها والاستثناءات. وشدد على أن تحديد إلزامية التأمين يتطلب مراجعة دقيقة لعقود اللاعبين والرجوع إلى اللوائح المعتمدة.
من جانبه، أكد راشد ناصر آل علي، عضو مجلس إدارة اتحاد الإمارات لألعاب القوى ورئيس لجنة المنتخبات الوطنية، أن الاتحاد يتكفل بجميع تكاليف علاج لاعبي المنتخبات الذين يتعرضون للإصابات خلال التدريبات أو المعسكرات، دون سقف مالي محدد. وتشمل الرعاية الفحوصات الطبية المتخصصة والعلاج في المستشفيات الخاصة والعمليات الجراحية عند الحاجة. وأوضح أن الاتحاد يتحمل مسؤولية علاج اللاعب المصاب أثناء وجوده ضمن برامج المنتخب، بينما تقع متابعة اللاعبين غير المنضمين إلى المنتخبات على عاتق أنديتهم. واستشهد بحالات، منها خضوع اللاعبة مريم كريم لعملية جراحية لعلاج إصابة في البطن، وإجراء اللاعب عبدالقدوس فحوصات بالرنين المغناطيسي وتلقي العلاج لإصابة وتر “أكيليس”.
في المقابل، أوضح حيي حسن خميس، رئيس قطاع الألعاب الرياضية في نادي حتا، أن النادي يوفر تأميناً صحياً شاملاً للاعبين الأجانب يتضمن الإصابات الرياضية، فيما يستفيد اللاعبون المواطنون من التأمين الصحي الحكومي. لكن التغطية لا تشمل التأمين على الرواتب خلال فترات الغياب الطويلة بسبب الإصابة. وأشار إلى أن النادي يتحمل علاج اللاعب الأجنبي إذا كانت مدة ابتعاده أقل من شهرين، بينما قد تؤدي الإصابة الطويلة إلى انتهاء العلاقة التعاقدية، مع إمكانية استمرار العلاج بعد انتهاء العقد.
وكشف عبدالعزيز إبراهيم السلمان، الأمين العام لاتحاد الإمارات للكرة الطائرة وعضو اللجنة الأولمبية الوطنية، أن مشروع عقود اللاعبين، الذي تأجل إلى العام المقبل بناءً على طلب الأندية، يتضمن التوجه لإدراج التأمين الصحي ضمن البنود المقترحة. وأوضح أن المشروع يستهدف تنظيم العلاقة بين الأندية واللاعبين فوق 18 عاماً، على أن يُطبق بند التأمين بصورة تدريجية دون إلزام في المرحلة الأولى. وشدد على ضرورة التمييز بين التأمين الصحي والتأمين الخاص بإصابات الملاعب أو التعويض عن الغياب والراتب.
وبيّن عبدالواحد عبدالله، عضو مجلس إدارة اتحاد الإمارات للسباحة، أن الاتحاد لا يفرض على الأندية توفير تأمين صحي خاص للسباحين، في ظل غياب الاحتراف الكامل، ويعتمد على التأمين المتاح والخدمات الطبية داخل الأندية. وأشار إلى إمكانية تدخل الاتحاد لتحمل النفقات العلاجية الإضافية عند الضرورة، خاصة إذا كان اللاعب من عناصر المنتخب وتجاوزت تكاليف علاجه حدود التغطية المتاحة.
شهادات مؤلمة: الإصابة تنهي المسيرة بلا تعويض
تكشف تجربتا الدكتور أيوب سرواش، مدرب المشي، ومعيوف حسن، مدرب ألعاب القوى للمسافات المتوسطة والطويلة، عن معاناة رياضيين اضطروا إلى إنهاء مسيرتهم بسبب الإصابة، دون الحصول على تعويض تأميني. وأوضح معيوف أن الإصابة أجبرته على التوقف بعد سنوات من المنافسة، وكانت آخر مشاركاته في دورة الألعاب العربية بالكويت عام 2022، مشيراً إلى أن التغطية الطبية المتاحة له اقتصرت على العلاج، قبل أن يحصل على تأمين صحي من خلال عمله، دون وجود تأمين رياضي يعوضه عن نهاية مسيرته. وأضاف أنه اتجه بعد الاعتزال إلى التدريب، مؤكداً أن حماية اللاعبين يجب ألا تقتصر على العلاج، بل تشمل التعويض في حالات الإصابات المنهية للمسيرة.
من جانبه، أكد الدكتور سرواش أن تجربته لاعباً في ألعاب القوى عكست الحاجة إلى مظلة تأمينية متخصصة، موضحاً أن الإصابة أنهت مسيرته رغم سنوات التدريب وتمثيل المنتخب، دون وجود تأمين يوفر تعويضاً عن التوقف المبكر. وأشار إلى أن العلاج الطبي يختلف عن التأمين المالي، لافتاً إلى أن المشكلة تمتد إلى رياضيين في الألعاب الفردية والجماعية. وشدد المدربان على أهمية وجود منظومة تأمينية واضحة تجمع بين العلاج والتأهيل والتعويض وفق ضوابط محددة.
خبراء: التأمين الرياضي نقل للمخاطر وحماية للاستثمارات
أكد عصام مسلماني، سفير النوايا الحسنة لدى معهد التأمين البريطاني، أن التأمين الرياضي أو على أجزاء معينة من أجساد الرياضيين موجود عالمياً، ويرتبط بطبيعة المهنة واعتماد الدخل على سلامة عضو معين. وأوضح أن إتاحة هذه التغطيات في الإمارات تعتمد على منتجات شركات التأمين ومدى توافر التغطية لدى معيدي التأمين. وقال إن شركات التأمين يمكنها رفض تقديم تغطية غير إلزامية إذا لم يكن لديها المنتج المناسب، لافتاً إلى أن الأمر يرتبط بوجود طلب في السوق.
وأضاف مسلماني أن التأمين على أجزاء الجسم المرتبطة بالمهنة موجود عالمياً، فبالنسبة للاعب كرة القدم قد تكون ساقه أهم أصوله، بينما يعتمد عازف البيانو على أصابعه. وأشار إلى أن الحصول على هذا التأمين يبدأ بتقديم طلب لشركة التأمين التي تدرس الحالة وقدرتها على توفير التغطية عبر معيدي التأمين. وأوضح أن التأمين على اللاعبين لم يكن متوفراً قبل عشر سنوات في الإمارات، لكنه بات واقعاً في السنوات الأخيرة مع ظهور منتجات جديدة ترتبط بتطور احتياجات السوق لتغطية مخاطر عقود بالملايين. ولفت إلى أن النادي قد يكون المستفيد الأكبر من التأمين، لأنه يتحمل قيمة العقد ويظل ملتزماً بمستحقات اللاعب حتى في حال الإصابة الطويلة، مما يجعل التأمين أداة للحماية من الخسائر المالية.
من جهته، أكد المستشار القانوني صالح العبيدلي، المحامي المعتمد لدى محكمة التحكيم الرياضي “كاس”، أن النادي هو الجهة المسؤولة عن علاج اللاعب عند الإصابة، سواء كان مشمولاً بوثيقة تأمين أم لا، موضحاً أن العلاقة القانونية للمطالبات التأمينية تكون بين النادي وشركة التأمين. وفي حال وجود وثيقة تأمين تغطي الإصابات، يحق للنادي الرجوع إلى شركة التأمين للمطالبة بالتعويض. أما فيما يتعلق بتأمين أجزاء محددة من الجسم، فأشار العبيدلي إلى عدم وجود قضايا قانونية من هذا النوع في الدولة، لافتاً إلى أن هذه الممارسات موجودة في بعض الدول الأخرى.




