الرئيسيةكتاب و آراء«الحداثة البدوية»: تفكيك فخ العقلانية المنحرفة...
كتاب و آراء

«الحداثة البدوية»: تفكيك فخ العقلانية المنحرفة في الفكر العربي

07/06/2026 13:01

لاحظ الكاتب أن معظم من تواصلوا معه بشأن كتابه الجديد علقوا على عنوانه «الحداثة البدوية» بفهم مبتسر، لا يتوافق مع معايير علم الاجتماع التراثي عند ابن خلدون ولا مع مبادئ «علم اجتماع البداوة» في مصادره العلمية الحديثة. كما أبدوا استغرابهم من اختيار صورة غلاف تمثل قطعة من فن السدو بدلاً من مشهد صحراوي وجمل، غافلين عن أن الفهم العلمي للبداوة يحررهم من التصور التقليدي الذي يجعل «بدوي الجبل في لبنان» يظن نفسه مختلفاً عن «بدوي الصحراء في ليبيا» والعكس. يرى المؤلف أن الكتاب ينقل القارئ إلى تصورات علمية تخرج الفهم من ضيق المعنى الشعبي إلى سعة العلم، وترفع مستوى الوعي العربي. من هنا رأى أن الإنتاج البشري في فن السدو يجسد ثيمة البداوة التي توحد هذه المنطقة الممتدة من جبال زاغروس حتى سواحل نواكشوط.

الكتاب ليس عن البدو بالمعنى الشائع

يؤكد المؤلف أن كتاب «الحداثة البدوية» ليس كتاباً عن البدو بالمعنى غير العلمي الشائع، وهذا أول ما ينبغي أن يدركه القارئ. فالعنوان فخّ، وهو مصيدة وصياد في آن، والكتاب بكامله يعمل على تفكيك هذا الفخ. فالحداثة البدوية في نظر المؤلف هي حالة معرفية واجتماعية تصيب أي مجتمع يتبنى أدوات الحداثة دون أن يستوعب مضامينها الحقيقية، إنها حداثة ترتدي ثياب التقدم وتحمل في داخلها روح القبيلة.

العنوان الفرعي للكتاب يوضح كل شيء: «انحراف العقلانية ومأزق الحرية في العالم العربي». هذا هو السؤال المحوري: لماذا تحول مشروع التنوير العربي من عقلانية حقيقية إلى عقلنة مزيفة؟ ولماذا تحولت الحرية من قيمة ذاتية إلى منظومة تحدد ما يجوز وما لا يجوز؟

التمييز الجوهري: البدوي حالة لا عرق، والأعرابي سلوك مجند

الأطروحة المركزية في الكتاب تقوم على تمييز جوهري بين مفهومين: «البدوي حالة اجتماعية لا عرق» — فالبدوي موجود في صحاري أفريقيا، والجزر الإندونيسية الخضراء، وجليد الإسكيمو، والخليج العربي؛ أي إنسان يعيش على الحد الأدنى من الوجود ويتنقل وراء مصادر الرزق. البداوة عند المؤلف مفهوم ابن خلدوني: حالة اجتماعية وتاريخية لا صفة عرقية. أما «الأعرابي فهو السلوك الناتج عن البداوة المجندة» — أي السلوك العنيف المتعجرف حين تُجند البداوة لصالح نخبة سياسية أو دينية أو قبلية. التمييز الجذري يتكرر عدة مرات في الكتاب: (ليس كل بدوي أعرابياً، لكن كل أعرابي بدوي). هذا التمييز هو العمود الفقري للكتاب، ومنه تنبثق «الحداثة البدوية» عندما تأخذ النخب العربية لغة الحداثة وأدواتها، وتبقي في جوهرها على منطق الأعرابي: التعصب، والغنيمة، والولاء للقبيلة لا للدولة، والأسطورة لا العقل.

البنية الفكرية: رحلة شخصية وثلاثة محاور كبرى

يبدأ المؤلف بمدخل شخصي نظري على خلاف المألوف في الكتابة العربية، حيث يروي رحلته الفكرية بشكل مباشر: كيف خرج من كلية الشريعة ليكتشف أن زميله في نفس القاعة الدراسية في التسعينيات أصبح مفتي داعش. هذه التجربة ليست تفصيلاً شخصياً، بل جزء من مسار فكري امتد قرابة العقدين من كتاب «سياط الكهنوت/2008م» مروراً بكتب «حجامة العقل: بين العدمية والأدلجة، أضحية المعبد: المرأة واللغة، آلزهايمر تاريخ» وصولاً إلى «الحداثة البدوية/2026م».

ثم ينتقل إلى ثلاثة محاور كبرى. الأول: «البداوة كحالة معرفية» — يوظف ابن خلدون لتعريف البداوة كحالة لا كعرق، ويمتد بها عبر التاريخ من المغول إلى الأتراك إلى العرب إلى الأمازيغ حتى الصهيونية التي يراها في جذرها أسطورة الأنبياء البدو من بني إسرائيل. البداوة ليست مقصورة على الصحراء، فحتى صيادو البحر يمارسون حياة بدوية. المحور الثاني: «تفكيك الفكر العربي الحديث» — يقرأ الجابري وطرابيشي وهشام شرابي وطه عبدالرحمن وعبدالله العروي وفيصل دراج والصويان وابن تنباك والغذامي وغيرهم، ليكشف كيف أن كثيراً من هذه المشاريع الفكرية نفسها وقعت في فخ الحداثة البدوية، أي استخدمت مفردات حديثة لإعادة إنتاج بنية تقليدية. المحور الثالث: «العقل المراهق» — وهو الجزء الأكثر أصالة في الكتاب، يصف العقل العربي المعاصر بأنه عقل في حالة مراهقة معرفية — لا بمعنى القدح — بل بمعنى الاستقطاب بين مرحلتين وزمنين، ينتج سلوكاً معرفياً متناقضاً: يهاجم المركزية الغربية بأدوات النقد الغربي ذاتها، ثم يعيد إنتاج مركزية عربية دينية بنفس المنهج الذي يعيبه إدوارد سعيد في «الاستشراق»، إنه «الاستشراق معكوساً» كعقلنة سهلة تعيد إنتاج الذات مقابل الآخر، دون عقلانية تستلزم المعرفة العلمية للإنسان باعتباره إنساناً فقط.

يلاحظ القارئ أن الشخصي يتشابك مع النظري بطريقة تجعل الفكرة مجسدة لا مجردة. حين يحكي المؤلف عن والده العسكري عام 1370هـ/1950م حيث نشأ يتيماً ورافق قوافل الإبل بين أسواق جيزان وعسير، هذه ليست ذكرى عاطفية، بل مدخل أنثروبولوجي يشرح معنى البداوة الحقيقية قبل أن تتحول إلى رمز استهلاكي.

أقوى لحظة فكرية: التمييز بين العقلانية والعقلنة

يرى المؤلف أن أقوى لحظة فكرية في الكتاب هي التمييز بين مفهومين يتداخل فيهما الكثيرون: «العقلانية / Rationality» — وهي القدرة الحقيقية على التفكير المنطقي النقدي، وتستلزم الشك والمساءلة وقبول إعادة النظر، وهي ما يحتاجه المشروع التنويري العربي ولم يبلغه. و«العقلنة / Rationalization» — وهي عملية تبرير سلوك غير عقلاني بمسوغات تبدو منطقية، وللأسف فالأيديولوجيا الدينية والقومية تمارسها باستمرار. هذا التمييز يفسر قرابة القرن من عثرات الفكر العربي.

كذلك يميز الكتاب بين الأطروحة اللوغوسية «العقل» والأطروحة الميثوسية «الأسطورة»، وكيف أن الحداثة البدوية تلبس الميثوس ثياب اللوغوس دون أن تتحرر منه، كما حدث في اشتباكه مع أطروحة كمال عبداللطيف «أسئلة الحداثة في الفكر العربي» حيث حاول كشف ما وراء اللغة الأكاديمية المصقولة — كما يصفها — في الفصل الخاص بذلك.

بعد أن انتهى المؤلف وقرأ الكتاب بعد صدوره عن دار متون، وبرد دماغه لاحظ ما يلي باختصار: «الحواشي الداخلية» أثقل مما يجب، و«تكرار بعض المفاهيم» قد يربك القارئ المتابع لمقالاته. وهي ملاحظات لا تنقص من الكتاب، لكنها تسجل عليه.

هذا الكتاب محاولة جريئة من المؤلف لإنجاز وثيقة فكرية تستحق النظر، ليس لأنها تقدم إجابات جاهزة، بل لأنها تعيد صياغة الأسئلة بطريقة لم يفعلها أحد بهذا الوضوح والبساطة من قبل في السياق العربي. فإذا كان كوبرنيكوس قد حرر العقل العلمي من مركزية الأرض بين الكواكب، فطموح هذا الكتاب هو تحرير العقل العربي من مركزية الميثوس التي كبلته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *