الرئيسيةكتاب و آراءندم لم يتحقق: تأمل في حياة...
كتاب و آراء

ندم لم يتحقق: تأمل في حياة لم تُعش

14/08/2026 01:00

لا يأتي الندم إلينا دوماً جراء كلمة نطقنا بها أو درب سلكناه، بل إن أقسى أنواعه قد ينبع من رسالة لم تُرسل، أو اعتذار لم يُعلن، أو رحلة أرجئناها حتى فات وقتها. بعد سنوات، لا نسأل: لماذا فعلت؟ بقدر ما نسأل: لماذا لم أفعل؟

الندم وحياة متخيلة

يبني الندم إلى جوار حياتنا وجوداً وهمياً، إذ ننظر إلى ما حدث ثم نتخيل ما كان يمكن أن يحدث لو اخترنا مساراً آخر. ويذكر باحثون أن الإنسان يندم أولاً على أفعاله، لكنه مع تقدم العمر يندم أكثر على ما ترك. فالأخطاء يمكن تصحيحها باعتذار أو تعويض، أما الفرصة التي ضاعت فتبقى حاضرة في الخيال: حب سعيد، مهنة ناجحة، أو صداقة تغير العمر.

الندم في الثقافة العربية

لخصت الثقافة العربية هذا الشعور في كلمة “ليت”. يقول أبو العتاهية: «ألا ليتَ الشباب يعود يوماً :: فأخبره بما فعل المشيب». إنه يندب زمناً لم يدرك قيمته. ويتكرر المعنى في أغانينا: «يا ريت اللي جرى ما كان»، و«فات الميعاد». فالندم في المخيال العربي باب أغلقه الزمن ونصيب لم يكتمل. وقد تكون كلمة «المكتوب» درعاً من سؤال موجع: هل ضاعت الفرصة بفعل الظروف، أم لأنني خفت من طرق الباب؟

الندم في الثقافة الأميركية

في الثقافة الأميركية، يظهر الندم ضمن إطار الاختيار والفرصة الثانية. يقول المثل: «لا تبكِ على اللبن المسكوب»، وكأن الماضي حادث ينبغي تجاوز آثاره. وفي أغنية فرانك سيناترا My Way يعلن صاحبها أنه عاش «على طريقته»، صورة الإنسان الذي يريد أن يكون مؤلف سيرته الذاتية. لكن الأدب الغربي أكثر تشككاً، ففي قصيدة لروبرت فروست يقف مسافر أمام طريقين ويختار أحدهما، عالماً أنه لن يعود إلى الآخر. إنه تأمل في استحالة أن نعيش حياتين ونقارن بينهما، فكل اختيار يلد شبحاً اسمه «الطريق الذي لم نسلكه».

لقاء الأدبين ودروس المستقبل

هنا يلتقي فروست بأبي العتاهية، الأول ينظر إلى طريق تركه، والثاني إلى شباب لن يعود. كلاهما يدرك أن الإنسان مضطر إلى اختيار حياة واحدة. إذا ندمت لأنك لم تقل «أخطأت.. سامحني»، فقلها لمن لايزال حاضراً، فالحكمة أن نحول «ليتني فعلت» من مرثية للماضي إلى وعد للمستقبل، وما دمنا أحياء تظل بعض الأبواب قابلة للطرق قبل فوات الميعاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *