الرئيسيةكتاب و آراءتساؤلات أخلاقية حول الوفاء بالوعد الخاطئ.....
كتاب و آراء

تساؤلات أخلاقية حول الوفاء بالوعد الخاطئ.. بين الضرر والإكراه

20/05/2026 21:01

هل الوعد الخاطئ ملزم؟ تساؤلات حول الالتزام الأخلاقي والقانوني

يثير موضوع الوفاء بالوعود الخاطئة أو السيئة أو غير الأخلاقية أو غير القانونية إشكاليات أخلاقية وقانونية معقدة. ففي حين يرى البعض أن الوعد، مهما كان واضحًا، ليس ملزمًا إذا كان سيؤدي إلى فعل شرير أو غير أخلاقي، تظهر تساؤلات حول حق الطرف الثاني (الموعود) في الإصرار على إلزام الطرف الأول (الواعد) بالوفاء بهذا الوعد.

ثلاث مسائل رئيسية: نسبية الأخلاق والتهديد والثقة

تتعلق المسألة الأولى بنسبية الأخلاق واختلاف وجهات النظر. ففي حال تراجع الواعد عن وعده أو رفض تنفيذه بدعوى أنه أمر سيء أو شرير أو غير أخلاقي في نظره، قد لا يقتنع الموعود بذلك إذا كان لا يرى في الوفاء بالوعد أي خطأ أو سوء أو ضرر.

أما المسألة الثانية فتتناول سيناريو إصرار الموعود على تهديد الواعد التائب أو النادم أو المتراجع، بأذى جسدي كالقتل مثلاً، أو بإحداث مشكلة كبيرة قد يكون ضررها أكبر بكثير من ضرر الوفاء بالوعد الخاطئ. هنا يثار سؤال حول ما إذا كان ينبغي للواعد الوفاء بوعده وفق قاعدة (أخف الضررين)، خصوصًا إذا كان الوفاء سيتسبب في الإضرار بمجتمع أو بشخص بريء.

والمسألة الثالثة تتعلق بوجود أشخاص آخرين على علم بالموضوع، حيث قد يؤدي عدم الوفاء بالوعد -على الرغم من خطئه وسوئه في رأي الواعد- إلى هز ثقة الكثير من الناس به، خاصة إذا كانت هذه الثقة مرتبطة بأمور أخرى إيجابية ونافعة.

تدرج في الحلول: من تقييم الضرر إلى المواجهة

يقترح كاتب النص، استنادًا إلى قاعدة الأصوليين الفقهية (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)، تدرجًا في الحلول يتكون من ست خطوات لمواجهة هذه المعضلة.

الخطوات المقترحة للتعامل مع الوعد الخاطئ

الخطوة الأولى: تقييم الوعد السيء من حيث كونه أسوأ من الكذب والخداع، وما إذا كانت له أضرار على آخرين. إذا كان الوعد بسيطًا أو أقل سوءًا من الكذب والخداع في تقييم الواعد، ولن يترتب عليه ضرر بين، فيجب على الواعد -حسب رأي الكاتب- الوفاء به، حتى لو كان مقتنعًا أنه ليس أمرًا جيدًا، ما دام الأمر يدخل في دائرة نسبية التقدير واختلاف وجهات النظر.

الخطوة الثانية: إذا كان الوعد ثقيل الوزن في السوء أو الضرر أو الشر، فيجب محاولة إقناع الموعود بالحوار والمنطق، لعل ضميره يستيقظ فيتخلى عن الإلحاح أو التهديد.

الخطوة الثالثة: إذا أصر الموعود، وظهر أنه قد يفعل شيئًا ذا ضرر هائل يتجاوز ضرر الوفاء بالوعد، فلا مانع من إرضائه بطريقة أخرى، كتعويضه بصورة أخلاقية وسليمة تجعله يقتنع ويترك الوعد الأساسي غير السليم.

الخطوة الرابعة: في حال رفض الموعود كل المحاولات، قد يكون من المناسب البحث عن مهرب ذكي، كمحاولة إقناعه بأن الوفاء بالوعد سيضره هو قبل غيره، كأن يورطه في مشاكل قانونية أو يشوه سمعته أو يقوده إلى السجن. أو التحجج بأن الظروف التي بني عليها الوعد قد تغيرت، أو ظهرت أمور لم تكن واضحة في البداية.

الخطوة الخامسة: إذا لم يجد الواعد أي حل للتخلص من الوعد الذي ثبت له أنه سيء أو قبيح، فلا يجب عليه الوفاء به إذا كان فيه شر أو خطأ أخلاقي أو قانوني ظاهر، أو ضرر كبير. ويجب هنا أن يواجه الموعود بهدوء وينسحب تمامًا، بعد أن يقول له كلامًا يصوغه بعناية، مثل: «سامحني فأنا لا أستطيع الوفاء لأن ضميري لا يقبل، وأعتذر منك لتسرعي في الوعد».

الخطوة السادسة والأخيرة: إذا لم تفلح كل الأساليب والحيل، وأدرك الواعد الراغب في التوبة أو التراجع أن الموعود سيرتكب ردة فعل خطيرة أو مضرة جدًا يتجاوز ضررها ضرر الوفاء بالوعد الخاطئ، فهنا فقط -في رأي الكاتب- قد يعذر إن أوفى بالوعد الخاطئ أو السيء. ويشترط لذلك أن يكون الواعد قد بذل بصدق كل ما بوسعه لعدم الوفاء، وأن تفشل كل محاولاته، مع الاجتهاد في أن يكون الوفاء جزئيًا قدر الإمكان، وأن يقلل من حجمه، أو يوقفه فور شعوره بزوال خطر الموعود أو دوافعه لارتكاب ما هو أكثر سوءًا أو خطأ أو ضررًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *