بلاك روك: الإمارات تجمع رأس المال والحوسبة والكهرباء في معادلة الذكاء الاصطناعي

أكد إحسان خومان، الخبير الاقتصادي في معهد «بلاك روك» للاستثمار، أن استحواذ الإمارات على ما يقارب نصف قيمة المشاريع الكبرى في منطقة الخليج منذ مطلع عام 2026 يبرهن على قدرتها على توجيه رؤوس الأموال داخل منظومات اقتصادية متينة تشمل الخدمات المالية واللوجستيات والمرافق والخدمات الرقمية، وعلى نقل المشاريع من مرحلة الإعلان إلى التنفيذ على الأرض.
وفي تصريحات خاصة لـ«البيان»، أشار خومان إلى أن هذه النسبة المرتفعة لا تقيس حجم الأموال الموظفة فحسب، بل تكشف كذلك عن كفاءة المنظومة الاقتصادية في الدولة وقدرتها على تحويل الإنفاق الرأسمالي إلى أصول منتجة وأرباح متكررة وتدفقات نقدية، لافتاً إلى أن الخليج يشهد تحولاً أوسع من الاهتمام بحجم الاستثمارات إلى الاهتمام بكفاءة توظيفها استراتيجياً.
وأضاف أن الإمارات تجمع بين مرونة المسارات التجارية وتطور المنظومات اللوجستية والبنية التحتية الرقمية والمرافق والخدمات المالية، وهو ما يهيئ قنوات واضحة لتحويل الإنفاق الرأسمالي إلى عوائد استثمارية.
ثلاثية الذكاء الاصطناعي: رأس المال والحوسبة والكهرباء
وبشأن العوامل التي ترسخ مكانة الإمارات ودبي مركزاً إقليمياً للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي السيادي، بيّن خومان أن تطور هذا القطاع صار يعتمد بصورة متزايدة على ثلاثة مقومات أساسية، هي رأس المال والقدرات الحاسوبية والطاقة الكهربائية.
ولفت إلى أن تحليلات «بلاك روك» ترصد استثمارات بنحو 323 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي حتى عام 2030، وتغطي قدرات الحوسبة السيادية والسحابية، والأمن السيبراني، وشبكات الألياف الضوئية والكابلات البحرية، والتصنيع المدعوم بالذكاء الاصطناعي.
وذكر أن الإمارات من أكثر دول المنطقة تقدماً في المواءمة بين رؤوس الأموال السيادية والمنصات التكنولوجية الوطنية والقدرات الحاسوبية واسعة النطاق، مضيفاً أن متطلبات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع لا تقف عند القدرات الحاسوبية، بل تمتد إلى الوصول الموثوق إلى شبكات الكهرباء وأنظمة التبريد ومعدات الطاقة والمرونة السيبرانية. وأشار في هذا السياق إلى أن مجمع الذكاء الاصطناعي المزمع إنشاؤه في أبوظبي بقدرة 5 غيغاواط يجسد حجم المتطلبات المادية للبنية التحتية التي يحتاجها هذا التوسع.
وأوضح أن ذلك يوسع دائرة الفرص الاستثمارية لتضم، إلى جانب مراكز البيانات والمنصات التكنولوجية، قطاعات المرافق وشبكات الكهرباء والاتصالات وأنظمة التبريد وسواها من مكونات البنية التحتية المساندة.
توسّع دورة الاستثمار ومرونة المسارات التجارية
وحول أثر انتقال الاستثمارات من إنتاج الطاقة إلى البنية التحتية الرقمية في استراتيجيات المستثمرين على المدى الطويل، رأى خومان أن هذا التوجه يمثل توسيعاً لنطاق الدورة الاستثمارية أكثر من كونه انصرافاً عن الاستثمار في قطاع الطاقة.
وأوضح أن تحليلات «بلاك روك» تشير إلى فرص للإنفاق الرأسمالي في دول مجلس التعاون الخليجي بنحو 2.1 تريليون دولار حتى عام 2030، يقع أكثر من 80% منها خارج أنشطة استكشاف وإنتاج النفط والغاز.
وأضاف أن الترابط بين قطاع الطاقة والبنية التحتية الرقمية يتعزز مع حاجة الذكاء الاصطناعي إلى قدرات ضخمة في توليد الكهرباء وشبكات الطاقة، فضلاً عن التبريد والاتصال، ما يعني أن الرقمنة لا تزحزح الطاقة عن موقعها كمحور استثماري، وإنما تخلق طلباً هيكلياً جديداً على الطاقة والبنية التحتية.
وشدد على أهمية جودة التدفقات النقدية بالنسبة إلى المستثمرين على المدى الطويل، مشيراً إلى أن المشاريع التي تحظى بطلب مضمون تعاقدياً، وبجدوى استراتيجية، وبمراحل تنفيذ واضحة، وبمشاركة فاعلة من القطاع الخاص، ستكون أفضل حالاً من الاستثمارات القائمة على توقعات غير مؤكدة بشأن الطاقات الاستيعابية.
وفي ما يتعلق بدور تنوع المسارات التجارية للإمارات في حماية تدفقات الاستثمار وسط اضطرابات حركة الشحن العالمية، أكد خومان أن تعدد الخيارات التجارية يمثل قيمة اقتصادية معتبرة، مبيناً أن ارتفاع أسعار السلع لا يعني بالضرورة زيادة الإيرادات إذا تعذر وصول تلك السلع إلى أسواقها النهائية.
وقال إن الاضطرابات الأخيرة رفعت الأهمية الاستراتيجية للمسارات التجارية البديلة والموانئ ومرافق التخزين والبنية التحتية اللوجستية، التي لم تبقَ اعتبارات تشغيلية فحسب، بل صارت أصولاً استراتيجية.
وأضاف أن الإمارات في موقع متقدم في هذا الشأن، بفضل بنيتها التحتية اللوجستية الراسخة وتعدد خيارات المسارات بين الشرق والغرب، وإمكانات الوصول إلى المياه المفتوحة عبر الفجيرة، لافتاً إلى أن الجمع بين تنوع المسارات والقدرات اللوجستية يشكل عاملاً فارقاً حين تتعرض ممرات الشحن التقليدية للاضطراب.
وأوضح أن التنويع لا يلغي المخاطر الجيوسياسية، لكنه يقلل الاعتماد على نقاط منفردة قد يؤدي توقفها إلى تعطيل حركة التجارة، بما يعزز مرونة التدفقات النقدية الأساسية ووضوحها، وهما عاملان تزداد أهميتهما عند تقييم استثمارات البنية التحتية طويلة الأجل.
من الإنفاق الرأسمالي إلى العائد: خريطة الـ2.1 تريليون دولار
وبخصوص دور قطاعات الخدمات المصرفية والمرافق والخدمات اللوجستية في تحويل الإنفاق الرأسمالي إلى أرباح وتدفقات نقدية، قال خومان إن «بلاك روك» تصف هذه العملية بـ«الاستفادة من قنوات انتقال الإنفاق الرأسمالي»، وقد تناولتها الشركة في أحدث تقاريرها ضمن سلسلة «رؤى عالمية» لمنطقة الشرق الأوسط.
وأوضح أن إجمالي الإنفاق الرأسمالي المعلن لا يمثل بحد ذاته عائداً استثمارياً، إذ تتولد العوائد في المراحل التي يصبح فيها هذا الإنفاق قابلاً للتمويل ومدعوماً بعقود وقادراً على إنتاج تدفقات نقدية فعلية.
وأشار إلى أن المؤسسات المصرفية تشارك في تمويل المشاريع وتوفير رأس المال العامل، في حين يمكن للمرافق وشبكات الكهرباء تحقيق عوائد منظمة أو تعاقدية مع صعود الطلب، بينما تتيح الموانئ والبنية التحتية اللوجستية إيرادات من حجم أعمال المناولة والتعريفات والامتيازات والعقود طويلة الأجل.
وأكد أن وضوح التدفقات النقدية وإمكانية استشرافها هما القاسم المشترك بين هذه القطاعات، مشيراً إلى أن أقوى الفرص الاستثمارية توجد في المجالات التي يمكن فيها تحويل الاستثمارات الاستراتيجية إلى إيرادات متكررة، لا الاكتفاء بزيادة حجم الإنفاق.
وحول الحصة المتوقعة للإمارات من إجمالي الاستثمارات الرأسمالية في الخليج البالغة 2.1 تريليون دولار حتى عام 2030، أوضح خومان أن هذه الاستثمارات تتوزع على خمسة محاور استراتيجية.
وأشار إلى تخصيص 135 مليار دولار لبناء القدرات السيادية، بما في ذلك القدرات الحاسوبية الرقمية والسيادية والذكاء الاصطناعي المادي والتصنيع المتقدم والبنية التحتية الأمنية والأبحاث وعلوم الحياة، وإلى 147 مليار دولار للبنية التحتية الوطنية وتعزيز المرونة، بما يشمل الخدمات اللوجستية والموانئ والطيران والطاقة وشبكات الكهرباء والمياه وتحلية المياه.
وأضاف أن قاعدة الموارد والصناعات تستحوذ على 177 مليار دولار، وتضم أنشطة استكشاف وإنتاج الطاقة والصناعات التحويلية والغاز الطبيعي المسال والكيماويات والمواد، فيما تبلغ الاستثمارات المخصصة للتنويع الاقتصادي 87.5 مليار دولار وتشمل السياحة والتطوير الحضري والإسكان والفعاليات. كما تتضمن التقديرات 23 مليار دولار لتعزيز المرونة البشرية والبيئية، ومنها الأمن الغذائي والصحي والمرونة المدنية وإدارة النفايات والبنية التحتية البيئية.
وشدد خومان على أن هذه الأرقام تقديرات تحليلية تراكمية للاستثمارات على مستوى الحكومات والشركات المملوكة للدولة والشراكات بين القطاعين العام والخاص ورؤوس الأموال الخاصة، ولا تمثل توقعات للميزانية الحكومية ولا التزامات استثمارية خاصة بدبي وحدها.
وفي ما يخص دبي، قال خومان إن الفرصة تتجاوز استضافة مشاريع بعينها لتشمل تمويل دورة الاستثمار الوطنية وربط مكوناتها وتوفير الخدمات الداعمة لها، بالتوازي مع تطوير القدرات الحضرية والتجارية المحيطة بها، مشيراً إلى أن الأولوية تكمن في تحديد المجالات التي يمكن أن يتحول فيها هذا الإنفاق إلى طلب مستدام وتدفقات نقدية.
وأضاف أن السؤال الأهم بالنسبة إلى المستثمرين هو تحديد المجالات التي يمكن عبرها تحويل الإنفاق الرأسمالي إلى عوائد بأعلى كفاءة، لافتاً إلى أن المنظومات الراسخة في الإمارات في الخدمات المالية واللوجستية والمرافق والخدمات الرقمية توفر قنوات واضحة نسبياً لبلوغ ذلك.
الإمارات نموذجاً للتوجهات الكبرى
وحول العامل الرئيسي الذي يدفع المستثمرين في العالم إلى النظر إلى اقتصاد الإمارات كمؤشر على الاتجاهات التي يُرجح أن ترسم ملامح العقد المقبل، أكد خومان أن الدولة تجمع عدداً من التوجهات الاستثمارية الهيكلية، منها الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية، وتنامي الطلب على الكهرباء، والبنية التحتية التجارية المرنة، وتطور أسواق رأس المال، ومواصلة التنويع الاقتصادي.
وقال إن ذلك يجعل الإمارات نموذجاً مهماً لدراسة سؤال أوسع يشغل المستثمرين حول العالم، وهو مدى القدرة على تحويل الاستثمارات الاستراتيجية بكفاءة إلى إنتاجية أعلى وتدفقات نقدية مستدامة للقطاع الخاص.
وأوضح أن تحليلات «بلاك روك» تحدد خمس منظومات مترابطة لتحقيق القيمة في الخليج، تشمل الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، والمرونة في توفير البدائل الاستراتيجية، وتعزيز مرونة قطاعي الطاقة والصناعة، والنمو الحضري الانتقائي، والمرونة البشرية والبيئية.
ولفت خومان إلى أن عدداً من هذه التوجهات بدأ يتلاقى فعلاً بصورة واضحة في الإمارات، مؤكداً أن هذا التلاقي يمنح الدولة أهمية خاصة لأنها تقدم نموذجاً متكاملاً لكيفية إعادة تشكيل الروابط بين رأس المال والتكنولوجيا والطاقة والعوامل الجيوسياسية.




