اقتصاد العدوى: 12.5 تريليون دولار تُقَدَّر قيمتها نتيجة مخاوفنا من الفيروسات

لم تعد الفيروسات في هذا القرن مجرد مسألة صحية، فقد تحولت إلى عامل مؤثر في ساحة الاقتصاد العالمي. ما كان يقتصر على غرف العزل والكمامات والاجتماعات الرسمية للمنظمات الصحية، أصبح الآن يرافقه أعباء مالية ضخمة؛ فالمطارات تُغلق، والأسواق تهتز، والمصانع تتوقف، والسياحة تتراجع، بينما تنفق الحكومات مبالغ هائلة وتواجه الشركات صعوبات غير متوقعة نتيجة هشاشة الشبكات العالمية.
من سارس إلى كوفيد-19: تحول العدوى إلى حدث اقتصادي
من سارس إلى إنفلونزا الخنازير، مرورًا بفيروس ميرس وإيبولا وزيكا، وصولاً إلى كوفيد-19 وإمبوكس وفيروس هانتا وإنفلونزا الطيور، باتت الأوبئة تُقَيِّم كقوة اقتصادية تعصف بالميزانيات، سلاسل الإمداد، أسعار الغذاء، ثقة المستهلكين، خطط السفر، وقرارات الاستثمار.
فاتورة كوفيد-19: أكثر من 12.5 تريليون دولار
أظهر كوفيد-19 بوضوح قدرة الفيروس على تجميد الاقتصاد بأكمله. واصفًا الجائحة بأنها أكبر صدمة اقتصادية منذ عقود، أشار البنك الدولي في تقرير التنمية العالمية إلى أنها خلفت أسوأ أزمة اقتصادية في أكثر من مائة عام. لم تقتصر الخسائر على المستشفيات فحسب، بل امتدت إلى الناتج المحلي، الوظائف، قطاع السياحة، التعليم، التجارة، والديون العامة.
وبحسب تقديرات نقلها البنك الدولي عن صندوق النقد الدولي، قد تصل تكلفة جائحة كوفيد-19 إلى نحو 12.5 تريليون دولار على الصعيد العالمي بحلول عام 2024. وهذا الرقم لا يقتصر على إغلاق المطاعم أو خسارة الشركات، بل يشمل سنوات من النمو المفقود، استثمارات مؤجلة، ديون إضافية، وتأثيرات عابرة للأجيال نتيجة الانقطاع عن التعليم والعمل.
السياحة أولاً: خسائر تقترب من تريليونين
مع كل تفشي جديد، تكون السياحة من أسرع القطاعات التي تشعر بالضغط. فالخوف من العدوى يتقدم أحيانًا على القرارات الرسمية، وتُلغي الحجوزات قبل صدور التحذيرات. خلال جائحة كوفيد-19، قدرت الأمم المتحدة أن قطاع السياحة العالمي يواجه خسائر تقارب 2 تريليون دولار في عام 2021 فقط، بعد صدمة عام 2020.
وبالتالي، لا يقتصر الضرر على إلغاء الرحلات، بل يُطال الفنادق، المطاعم، شركات الطيران، المرشدين، الأسواق المحلية، والعمالة الموسمية. وعند ظهور أمراض مثل إمبوكس أو ماربورغ أو فيروس هانتا، يتحول السؤال من عدد الإصابات إلى سؤال اقتصادي: هل ستتأثر الرحلات؟ هل ستنخفض الحجوزات؟ هل سيتجنب المستثمرون المؤتمرات؟ وهل ستُفرض قيود على الحدود؟ إن الاعتماد الكبير على الحركة يجعل الخوف نفسه خسارة مالية.
الأثر على الغذاء: إنفلونزا الطيور وتضخم الأسعار
إنفلونزا الطيور مثال آخر على الأزمات الاقتصادية الناجمة عن الفيروسات. وعلى الرغم من أن الفيروس لا يصيب البشر في معظم الحالات، إلا أنه يدمر الدواجن والمزارع، ما يرفع أسعار البيض واللحوم ويعطل سلاسل الإمداد الغذائي. في الولايات المتحدة، قدرت مجلة “فوربس” أن تفشي إنفلونزا الطيور كلف صناعة الدواجن نحو 1.4 مليار دولار، في قطاع قيمته الاقتصادية حوالي 77 مليار دولار.
عندما تُقَتَل ملايين الطيور للحد من الانتشار، ترتفع الأسعار، وتُعاني المطاعم، وتتعطل الصادرات، وتتحمل الأسر عبء الفواتير المرتفعة في السوبرماركت، مما يضيف عبئًا تضخميًا إلى تكلفة المعيشة.



