ضغوط ثلاثية على الأسواق العالمية: السندات والنفط والتضخم تعيد تشكيل المشهد في سبتمبر

شهدت الأسواق المالية حول العالم مع بداية شهر سبتمبر موجة جديدة من التوتر، تزامنت مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية وقفزة في أسعار النفط، وسط تجدد المخاوف الجيوسياسية في الشرق الأوسط التي أعادت إشعال القلق من التضخم ومسار أسعار الفائدة. وسجلت مؤشرات الأسهم في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا تراجعات ملحوظة، بينما تعرضت أسواق السندات لموجة بيع واسعة النطاق رفعت عوائد عدد من السندات السيادية إلى مستويات غير مسبوقة تاريخياً.
وجاء هذا التحول في معنويات المستثمرين بعد أن شهدت الأسواق صعوداً قوياً خلال شهر أغسطس، حيث بدأ المتعاملون الشهر الجديد بنزعة أعلى نحو التحوط، مع زيادة الرهانات على استمرار التشديد النقدي في الاقتصادات الكبرى. كما ساهمت الاشتباكات المتجددة المرتبطة بالحرب في إيران في دفع أسعار النفط صعوداً، مما يرفع احتمالات انتقال ضغوط الطاقة إلى التضخم العالمي.
الأسواق الأمريكية تحت ضغط العوائد المرتفعة
في الولايات المتحدة، انخفض مؤشر داو جونز بنسبة 0.41% إلى 52,970.20 نقطة، كما تراجع ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.43% إلى 7,652.95 نقطة، في حين هبط ناسداك بنسبة 0.70% إلى 26,185.47 نقطة خلال التعاملات.
وتسببت عوائد سندات الخزانة المرتفعة في الضغط على أسهم قطاع التكنولوجيا، حيث انخفضت أسهم شركات الرقائق الكبرى، ومنها إنفيديا وإنتل وإيه إم دي، في حين صعد قطاع الطاقة مستفيداً من ارتفاع أسعار النفط. وسجل مؤشر تقلبات بورصة شيكاغو «VIX» ارتفاعاً إلى 15.36 نقطة، مما يشير إلى زيادة محدودة في مستويات القلق داخل السوق.
وتزداد حساسية المستثمرين تجاه تحركات أسعار الفائدة مع ارتفاع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.77%، بعد أن لامس 4.798%، وهو أعلى مستوى منذ يناير 2025. ويؤدي ارتفاع هذه العوائد إلى زيادة جاذبية أدوات الدخل الثابت مقارنة بالأسهم، كما يرفع تكلفة التمويل على الشركات والأسر.
وينتظر المستثمرون خلال الأيام المقبلة بيانات الوظائف الأمريكية، ولا سيما تقرير الوظائف غير الزراعية، إلى جانب بيانات التضخم التي ستكون حاسمة في تحديد توقعات السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
أوروبا: التضخم يعيد سيناريو رفع الفائدة
امتدت موجة الضغوط إلى الأسواق الأوروبية، حيث انخفض مؤشر ستوكس 600 بنحو 0.6% إلى أدنى مستوى له في أكثر من شهر، في حين خسر داكس الألماني 1.1%، و«كاك 40» الفرنسي 0.4%، وفايننشال تايمز 100 البريطاني 0.3%.
وجاءت هذه الضغوط بالتزامن مع قفزة التضخم في منطقة اليورو إلى 3.3% في أغسطس، مقابل 2.9% في يوليو، مدفوعة بصورة رئيسية بارتفاع تكاليف الطاقة، مما عزز توقعات الأسواق بأن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال اجتماعه الأسبوع المقبل.
وتزامن ذلك مع ارتفاع عوائد السندات الأوروبية إلى مستويات مرتفعة، إذ وصل العائد على السندات الألمانية لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوى في نحو 15 عاماً، في حين بلغ العائد على السندات الفرنسية طويلة الأجل أعلى مستوياته منذ 2008، مما يعكس مخاوف المستثمرين بشأن التضخم والمالية العامة وتكلفة الاقتراض.
في المقابل، استفادت أسهم شركات الطاقة من صعود النفط، في حين شهد قطاع التصنيع الأوروبي مؤشرات تحسن، مع تسجيل نشاط المصانع في منطقة اليورو أسرع وتيرة نمو منذ أكثر من أربع سنوات، بدعم من زيادة الطلبيات والإنتاج.
اليابان تواجه موجة بيع في السندات
في آسيا، أغلق مؤشر نيكاي الياباني منخفضاً بنسبة 0.2% عند 66,215.34 نقطة، في حين ارتفع مؤشر توبكس بنسبة 0.6%.
وكان التطور الأبرز في سوق السندات اليابانية، حيث تجاوز عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات مستوى 3% للمرة الأولى منذ سبتمبر 1996، في مؤشر يعكس تنامي مخاوف التضخم وتوقعات تشديد السياسة النقدية.
وأثر ارتفاع العوائد على أسهم التكنولوجيا والرقائق، في حين استفادت أسهم شركات السيارات، إذ ارتفع سهم تويوتا بنحو 3% ونيسان بنسبة 3.2%.
كما ظل الين قرب مستوى 160 يناً للدولار، مما دفع طوكيو وواشنطن إلى تأكيد مواصلة التنسيق للحفاظ على استقرار حركة العملة.
النفط والسندات يهيمنان على المشهد
شكل النفط أحد أبرز محركات الأسواق في بداية سبتمبر، إذ ارتفع خام برنت بأكثر من 2% ليتجاوز 92 دولاراً للبرميل، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط بأكثر من 2% إلى نحو 88 دولاراً.
ويأتي صعود الخام مع تجدد الأعمال العسكرية المرتبطة بالحرب في إيران، مما زاد المخاوف من اضطرابات إضافية في إمدادات الطاقة. وترى الأسواق أن استمرار ارتفاع النفط قد يعرقل جهود البنوك المركزية لخفض التضخم، ويجبرها على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول أو حتى استئناف رفعها.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة مع اقتراب موسم الشتاء في نصف الكرة الشمالي، في وقت تشير فيه الأسواق الأوروبية أيضاً إلى ارتفاع أسعار الغاز إلى مستويات مرتفعة، مما يزيد مخاطر تكاليف الطاقة على الاقتصادات والشركات والمستهلكين.
لكن التطور الأكثر أهمية في الأسواق العالمية كان في سوق السندات، حيث امتدت عمليات البيع من الولايات المتحدة إلى أوروبا واليابان.
ويعكس ارتفاع العوائد مزيجاً من المخاوف بشأن التضخم، وتوقعات رفع أسعار الفائدة، وارتفاع مستويات الدين الحكومي وتكاليف تمويله. ومع ارتفاع العوائد، يصبح المستثمرون أكثر ميلاً إلى السندات وأقل استعداداً لتحمل مخاطر الأسهم، خصوصاً أسهم التكنولوجيا ذات التقييمات المرتفعة.
وتشير هذه التحركات إلى تغير أوسع في البيئة الاستثمارية، بعدما اعتادت الأسواق خلال السنوات الماضية على أسعار فائدة منخفضة وعوائد سندات محدودة، في حين أصبحت تكلفة رأس المال الآن عاملاً أكثر تأثيراً في قرارات المستثمرين.
وفي سوق العملات، ارتفع الدولار مقابل الين إلى نحو 159.90 يناً، في حين تراجع اليورو إلى نحو 1.1598 دولار، مع استفادة العملة الأمريكية من ارتفاع العوائد وتزايد الطلب على الأصول الأكثر أماناً.
وتتحرك الأسواق في الوقت نفسه تحت تأثير إعادة تسعير توقعات الفائدة في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، مما قد يؤدي إلى مزيد من التقلبات في العملات وتدفقات رؤوس الأموال العالمية.
ويواجه المستثمرون الآن شهراً يحمل تاريخياً تحديات للأسهم؛ إذ تشير بيانات تاريخية إلى أن سبتمبر هو أضعف شهر في المتوسط لمؤشر ستاندرد آند بورز 500، الذي سجل خسارة متوسطها نحو 0.7% خلال الشهر منذ عام 1926، إلا أن محللين يحذرون من الاعتماد على الأنماط الموسمية وحدها، مؤكدين أن أداء الأسواق سيظل مرتبطاً بالبيانات الاقتصادية والتضخم والسياسة النقدية والتطورات الجيوسياسية.
وبذلك تدخل الأسواق العالمية سبتمبر أمام معادلة أكثر تعقيداً: النفط المرتفع يعيد إشعال التضخم، والتضخم يدعم توقعات رفع الفائدة، وارتفاع الفائدة يدفع عوائد السندات إلى الأعلى، في حين تضغط العوائد المرتفعة على تقييمات الأسهم. وفي المقابل، لا تزال بعض مؤشرات النشاط الاقتصادي، خصوصاً التصنيع، توفر دعماً للنمو، مما يجعل اتجاه الأسواق خلال الأسابيع المقبلة رهناً بمدى قدرة الاقتصادات الكبرى على احتواء التضخم دون التضحية بالنمو.



