الرئيسيةعربي و عالميصراع سياسي وفني يطغى على احتفالات...
عربي و عالمي

صراع سياسي وفني يطغى على احتفالات الذكرى الـ250 لاستقلال أمريكا

05/06/2026 19:01

بينما كان من المفترض أن تشكل الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة مناسبة للوحدة الوطنية وتكريم الماضي المشترك، تحولت الفعاليات المخصصة لهذه المناسبة إلى ساحة اشتباك حادة، حيث تتداخل طموحات الإدارة الحالية في إعادة تشكيل الهوية الوطنية مع موجة انسحابات فنية غير مسبوقة وتجاذبات أمنية وسياسية.

في صيف 2026 الاستثنائي، تثار تساؤلات حادة في الأوساط السياسية والثقافية الأمريكية: هل تنجح رؤية الرئيس دونالد ترامب في استعادة “الفخر الوطني”، أم أن صبغ هذه الذكرى التاريخية بطابع شخصي يفرغها من جوهرها الجامع ويحولها إلى أداة لاستقطاب القواعد الجماهيرية وتصفية الحسابات مع الخصوم؟

محطة تاريخية ورهان وطني

تمثل الذكرى الـ250، التي توافق الرابع من يوليو 2026، المحطة الأهم في مسيرة الولايات المتحدة المعاصرة؛ فهي احتفال بمرور قرنين ونصف من “الرحلة السياسية العظمى” التي انطلقت مع توقيع وثيقة الاستقلال عام 1776.

في هذا الإطار، سعت منظمة “Freedom 250″، وهي جهة غير ربحية ترتبط بشكل وثيق بإدارة الرئيس ترامب، إلى الترويج لهذا التاريخ عبر رزنامة فعاليات ضخمة، تضمنت متاحف متنقلة صُممت لتجوب 48 ولاية، مع تركيز مكثف على إبراز “الروح الوطنية” وإرث الأبطال الأمريكيين من مختلف الخلفيات التاريخية والاجتماعية.

انسحابات فنية وصراع على الهوية

في تطور دراماتيكي، أعلن الرئيس دونالد ترامب يوم الخميس عن تنظيم تجمع جماهيري في واشنطن في 24 يونيو الجاري، مؤكداً في الوقت ذاته إلغاء سلسلة الحفلات الموسيقية التي كانت مقررة كجزء أساسي من الاحتفالات.

جاء هذا القرار بعد موجة انسحابات جماعية من فنانين بارزين، أمثال مارتينا ماكبرايد، و”ذا كومودورز”، و”بريت مايكلز”، الذين اتخذوا قرارهم بعد اكتشاف أن الحدث، الذي تم تقديمه لهم في البداية على أنه “غير حزبي”، بات مرتبطاً بشكل عضوي بتحالفات سياسية تدعم الرئيس.

وتعثر البرنامج الاحتفالي في “مركز كينيدي” بعد انسحاب ستة فنانين من أصل تسعة، وهو ما دفع ترامب إلى شن هجوم لاذع عبر منصته “تروث سوشال” قائلاً: «لا نريد مغنين لا يملكون موهبة، بل مجرد أسعار تذاكر باهظة تصيبك بالنعاس، طلبنا منهم جميعاً أن يبقوا في منازلهم».

ويرى المنتقدون أن الإدارة تتعمد إعادة صياغة الاحتفالات لتتوافق مع أولويات حركة “ماغا” (اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى)، مستشهدين بمقترحات مثيرة للجدل مثل سك عملة معدنية بقيمة 250 دولاراً تحمل صورة ترامب.

مخاوف حول الشفافية والتمويل

في سياق متصل، أثارت ممارسات جمع التبرعات لمنظمة “Freedom 250” انتقادات واسعة وتساؤلات حول معايير الشفافية، مما دفع عدداً من المشرعين الأمريكيين البارزين إلى التحرك.

برز في هذا الإطار النائب آدم شيف، عضو مجلس النواب الأمريكي والمدعي الفيدرالي السابق المشهور بدوره الرقابي الحازم، حيث طالب مع مجموعة من زملائه بفتح تحقيقات رسمية للتأكد من عدم وجود مقايضات غير مشروعة بين التبرعات الضخمة والنفوذ السياسي، معتبراً أن هذه الممارسات تعد انتهاكاً صارخاً لروح الشفافية التي يجب أن تسود الاحتفالات الوطنية.

وانضمت إلى هذه المطالبات السناتورة إليزابيث وارن، السناتورة الأمريكية عن ولاية ماساتشوستس والأكاديمية السابقة المتخصصة في قانون الإفلاس وحماية المستهلك، حيث شددت على ضرورة كشف النقاب عن أي امتيازات خاصة قد تُمنح للمانحين الكبار مقابل دعمهم المالي، مؤكدة على أهمية صون النزاهة في الفعاليات العامة ذات الطابع الوطني.

استعراض السلطة وجدل عسكري

تجاوز الجدل حدود إلغاء الحفلات؛ إذ يسعى الرئيس لترك بصمة استثنائية عبر تنظيم منافسات فنون قتالية (UFC) في 14 يونيو، وهو تاريخ ميلاده الثمانين، على حلبة شيدت خصيصاً في حديقة البيت الأبيض.

وفيما أوضح ترامب أن تجمعه المرتقب سيعتمد على “أعظم الموسيقى الوطنية” بوجود المغني لي غرينوود، صاحب أغنية «ليبارك الله الولايات المتحدة الأميركية»، واجهت فعالية الفنون القتالية انتقادات واسعة من شخصيات عامة ومراقبين، منهم جو روغان، المعلق الرياضي الشهير ومقدم البرامج الحوارية واسع الانتشار، الذي حذر من أن تحويل حديقة البيت الأبيض إلى ساحة لبطولة فنون قتالية ليس مجرد استعراض، بل هو “حيلة دعائية” تثير مخاوف أمنية وتفرغ المكان من وقاره التاريخي.

كما أثار الكشف عن وثائق داخلية تطلب من الجنود المشاركة في هذه الفعاليات بزيّهم الرسمي وتحمل تكاليف سفرهم الشخصي حالة من التململ؛ حيث أشار خبراء استراتيجيون وأكاديميون عسكريون إلى أن هذا التوجه يطرح تساؤلات جوهرية حول الحدود الفاصلة بين التوظيف الوطني للمؤسسة العسكرية وبين استغلالها في فعاليات ذات صبغة سياسية أو شخصية، وهو ما يضع قيادة الجيش أمام تحدٍ أخلاقي وقانوني يتعلق بالحياد المؤسسي.

تعكس هذه الأحداث صراعاً أعمق حول معنى “الاحتفال بأميركا” في العصر الحديث. ففي حين يرى أنصار الرئيس ترامب في هذه الفعاليات استعادة “للفخر الوطني” وشكلاً جديداً من الاستعراض الذي يكسر قوالب النخبة السياسية التقليدية، يرى المعارضون أن ربط المناسبات الوطنية بشخص الرئيس أو أجندة حركته يحولها إلى أداة استقطاب حادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *