الرئيسيةعربي و عالميالذكرى الـ250 للاستقلال الأمريكي.. صراع بين...
عربي و عالمي

الذكرى الـ250 للاستقلال الأمريكي.. صراع بين تراث النزاهة الرئاسية وجني الأرباح في عهد ترامب

05/07/2026 13:00

على مدار مئتين وخمسين عاماً، شكلت طريقة تعامل رؤساء الولايات المتحدة مع أموالهم الشخصية ركيزة أساسية لمفهوم “النزاهة الرئاسية”. فمنذ هاري ترومان الذي رأى أن الابتعاد عن المصالح التجارية واجب لحماية هيبة المنصب، وصولاً إلى الواقع الاقتصادي المعقد في ولاية دونالد ترامب الثانية، تشهد البلاد تحولاً جذرياً في كيفية الموازنة بين العمل الخاص والواجب العام.

ومع الكشف عن توسعات مالية غير مسبوقة لعائلة ترامب في قطاعات حديثة مثل العملات الرقمية، يجد المراقبون أنفسهم أمام اختبار لتقييم الأعراف الديمقراطية في ضوء معطيات العصر الجديد، وصياغة متجددة لمفهوم المسؤولية الرئاسية، والحدود الفاصلة التي ترسمها الذكرى الـ250 للاستقلال بين طموح رجل الأعمال وواجب رجل الدولة.

إرث النزاهة

شكّل الامتناع عن استغلال النفوذ الرئاسي حجر الزاوية في العقيدة السياسية الأمريكية لعقود طويلة، حيث ساد الاعتقاد بأن هيبة المنصب تسمو فوق المكاسب الشخصية. وفي هذا السياق، غادر هاري ترومان (الذي تولى الرئاسة بين 1945 و1953) البيت الأبيض دون أي دخل سوى معاشه التقاعدي من الجيش، البالغ 113 دولاراً شهرياً. وكتب الرئيس الثالث والثلاثون لاحقاً أنه من الخطأ “التكسب التجاري من هيبة منصب الرئاسة وكرامته”.

في المقابل، وضع جورج دبليو بوش (الذي شغل المنصب من 2001 إلى 2009) استثماراته قبل ترشحه للرئاسة في “صندوق ائتمان أعمى”، وهي آلية قانونية ينقل فيها الرئيس أصوله المالية إلى مدير مستقل لا يطلعه على تفاصيل استثماراته أو قراراته البيعية والشرائية؛ لضمان عدم تضارب بين قراراته السياسية ومصالحه الشخصية. وصرح في أسبوعه الأخير في المنصب بأنه لا يملك أدنى فكرة عن تأثير الأزمة الاقتصادية عام 2008 على ثروته الصافية، مما عكس التزاماً تقليدياً بفصل الثروة عن القرار.

أما دونالد ترامب، الذي تولى ولايته الأولى بين 2017 و2021 وعاد للرئاسة في ولاية ثانية منذ عام 2025، فقد حقق ما لا يقل عن 2.2 مليار دولار في عامه الأول بعد عودته للمنصب، وفقاً لتقرير الإفصاح المالي الصادر في 3 فبراير 2026 عن هيئة الأخلاقيات الحكومية (OGE). ووصف المؤرخون هذا المبلغ بأنه غير مسبوق، وأكدوا أنه حطم العرف السائد لدى رؤساء الولايات المتحدة بتجنب تضارب المصالح المالية أثناء وجودهم في البيت الأبيض. وتقول باربرا بيري، مؤرخة الرئاسة في مركز ميلر بجامعة فيرجينيا: “لا يوجد سابقة لهذا على الإطلاق. إنه يتجاوز أي شيء رأيناه في الرئاسة من قبل”.

عملات الاحتفال

كشفت أرباح ترامب الضخمة لعام 2025 بوضوح مدى استفادته من عودته للمنصب عبر سلسلة من المشاريع الربحية التي طمست الخطوط الفاصلة بين صنع السياسات الحكومية الرسمية والمعاملات التجارية الخاصة للرئيس وعائلته ومستشاريه المقربين. فقد حقق ترامب 1.4 مليار دولار في قطاع العملات الرقمية وحده، وفقاً للإفصاح المالي الإلزامي المنشور في 3 فبراير 2026، منها 635 مليون دولار من عوائد “عملات الاحتفال” (Celebration Coins)، وهو الكيان الذي يُعتقد أنه يقف وراء عملة الميم ($TRUMP) التي أطلقها قبل بدء ولايته الثانية مباشرة.

كما أعلن الرئيس عن أرباح تتجاوز 500 مليون دولار من شركة العملات الرقمية “وورلد ليبرتي فاينانشال”، التي أسسها ابناه دونالد ترامب جونيور وإريك ترامب، إلى جانب أبناء ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب الخاص إلى الشرق الأوسط وأوكرانيا.

في المقابل، نفى البيت الأبيض أن يكون ترامب وعائلته يستفيدون من المنصب الرئاسي؛ حيث صرحت نائبة السكرتير الصحفي، آنا كيلي، في بيان رسمي بأن “جميع الإجراءات التي يتخذها الرئيس وإدارته هي في مصلحة الشعب الأمريكي”، واصفة تقارير المراقبين بأنها “سرديات كاذبة” تروج لها وسائل الإعلام التقليدية.

أباطرة التشفير

لم يتوقف الجدل عند الأرباح المالية المباشرة؛ بل امتد إلى قرارات سياسية أثارت علامات استفهام كبيرة حول التداخل بين المكتب البيضاوي والمصالح الشخصية. ففي يوليو 2025، وقع ترامب تشريعات تدعم “العملات المستقرة”، وهو قطاع كانت شركة عائلته الرقمية “وورلد ليبرتي فاينانشال” قد استثمرت فيه بكثافة قبل أربعة أشهر فقط من توقيع القانون.

وفي أكتوبر 2025، أصدر ترامب عفواً رئاسياً عن الملياردير تشانغبينغ تشاو، مؤسس منصة بينانس، وهي خطوة فسرها مراقبون بأنها تهدف لترسيخ علاقات إيجابية مع أباطرة التشفير الذين يتقاطعون مع استثمارات ترامب الخاصة، وفقاً لسجلات البيت الأبيض.

علاوة على ذلك، أفادت تحقيقات استقصائية لصحيفة نيويورك تايمز في أكتوبر 2025 بأن ترامب أبرم صفقة مع رئيس كازاخستان تمنح شركة أمريكية حقوق الوصول لمشروع معادن حيوية ضخم؛ حيث استغل إريك ودونالد ترامب جونيور نفوذ والدهما للاستحواذ على حصة أقلية في الشركة المنفذة للمشروع، وبمشاركة استثمارية من شركة كانتور فيتزجيرالد التي يديرها أبناء وزير التجارة هوارد لوتنيك.

وفي رده على هذه الانتقادات، عزا ترامب أرباحه إلى مكاسب السوق وادعى عدم تدخله في أعمال عائلته، قائلاً للصحفيين: “لدينا صناديق تدير أموالي، وأنا لا أتحدث معهم”.

على الجانب الآخر، يختتم ريتشارد بينتر، كبير محامي أخلاقيات البيت الأبيض في عهد جورج دبليو بوش، المشهد في مقابلة مع بي بي سي في فبراير 2026 قائلاً: “بالطبع هو تضارب مصالح صريح. إنه وضع مقلق للغاية للشعب الأمريكي أن يرى رئيسه يكسب الكثير من المال أثناء وجوده في السلطة”.

فضائح مالية

يشير المؤرخون إلى أن تاريخ الرئاسة الأمريكية شهد فضائح مالية ارتبطت بحاشية الرؤساء، لكنها تختلف جوهرياً عن الحالة الراهنة. ففي عهد يوليسيس غرانت (1869–1877)، شهدت إدارته شبكة فساد كبرى تورط فيها مسؤولون في وزارة الخزانة للتهرب من الضرائب، كما تورط مقربون منه في محاولة احتكار سوق الذهب عام 1869 فيما عُرف بـ “الجمعة السوداء”.

وعلى الرغم من أن غرانت لم يكن المستفيد المالي المباشر، إلا أن عهده وسم بالفساد بسبب سوء اختيار المقربين. وفي عهد وارن هاردينغ (1921–1923)، وقعت فضيحة تي بوت دوم، حيث ثبت تورط وزير الداخلية في قبول رشاوى مقابل منح عقود نفطية دون مناقصات؛ وكانت أول مرة يسجن فيها وزير أثناء المنصب، لكن التحقيقات لم تخلص إلى أن الرئيس هاردينغ نفسه أثرى من تلك الرشاوى.

وفي العصر الحديث، واجه رؤساء انتقادات بسبب استغلال أقاربهم لنفوذهم؛ ففي عهد جيمي كارتر (1977–1981)، أثار شقيقه بيلي كارتر جدلاً واسعاً بعد تلقيه مدفوعات من حكومات دولية. وبالمثل، شهدت فترة ولاية جو بايدن (2021–2025) تساؤلات حادة حول الأعمال التجارية لنجله هنتر بايدن في أوكرانيا، مما وضع بايدن في موقف دفاعي رغم عدم ثبوت تورطه الشخصي في تلك الأرباح.

ومع ذلك، يؤكد المؤرخون أن هذه الأمثلة تتضاءل أمام حجم وطبيعة الأرباح التي يحققها ترامب وعائلته منذ عودته للمنصب في عام 2025. وتكمن الفجوة الجوهرية – وفقاً للمؤرخة باربرا بيري – في أن معظم الرؤساء السابقين، حتى من أحاط بهم الفساد، كانوا يحرصون على النأي بالرئاسة عن التحول إلى “مركز ربحي” مباشر. وتقول بيري: “الفارق الكبير هو أن كسب المال بهذه الكثافة والعلانية أثناء وجود الرئيس في السلطة أمر لم نشهده من قبل، وهو يتناقض مع جوهر الأعراف الأخلاقية التي حرص معظم الرؤساء السابقين على الالتزام بها”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *