وزارة الدفاع الأمريكية تُصنّف التجسس الإسرائيلي على إدارة ترامب على أنه خطر حرج

قامت وزارة الدفاع الأمريكية برفع مستوى التحذير المتعلق بالأنشطة التجسسية الإسرائيلية إلى أعلى درجاته، مسماةً إياها “حرجة”. يأتي هذا الإجراء في ظل توترات متصاعدة داخل أحد أكثر التحالفات الاستخبارية تعقيدًا على الساحة الدولية.
تحذير البنتاغون من أنشطة تجسسية إسرائيلية
وفقًا لتقارير شبكة “إن بي سي” المستندة إلى أقوال مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين، فإن القلق داخل البنتاغون لا يقتصر على جمع المعلومات التقليدية بين حليفين، بل يتعلق بمحاولات إسرائيليّة عدوانية لتسريب تفاصيل داخل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا سيما ما يتعلق بالحرب المحتملة مع إيران وتوجهات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
تقييم الاستخبارات الأمريكية
أفادت الوثائق التي أعدتها وكالة استخبارات الدفاع التابعة للبنتاغون أن قدرات التجسس البشري والتقني لإسرائيل وصلت إلى مستوى “حرج”. بناءً على ذلك، شرعت واشنطن في اتخاذ إجراءات احترازية إضافية، من بينها استخدام هواتف وأجهزة مؤقتة خلال اللقاءات الرسمية مع الجانب الإسرائيلي.
سجل تاريخي من حوادث التجسس
على الرغم من نفي الحكومة الإسرائيلية الرسمي، فإن خلفية العلاقات الأمريكية الإسرائيلية تجعل مثل هذه الاتهامات مقبولة ضمن الأوساط الأمنية الأمريكية. فالعلاقات بين البلدين شهدت على مدار العقود حوادث تجسس تركت أثرًا عميقًا، وأبرزها قضية جوناثن بولارد التي لا تزال تُعدّ أخطر فضيحة تجسس إسرائيلية داخل الولايات المتحدة.
في الثمانينيات، كان بولارد يعمل كضابط استخباراتي في البحرية الأمريكية، قبل أن يُعتقل عام 1985 بتهمة تسريب وثائق سرية إلى إسرائيل. وأشارت التحقيقات إلى وجود “حقائب مليئة بالوثائق فائقة السرية” نقلت إلى الأجهزة الإسرائيلية، شملت معلومات عن القدرات العسكرية العربية، ووسائل المراقبة الأمريكية، وتقارير عن الاتحاد السوفييتي. حُكم على بولارد بالسجن المؤبد، وقضى نحو ثلاثين عاماً خلف القضبان قبل أن يُفرج عنه مشروطًا في 2015، ثم سُمح له بالانتقال إلى إسرائيل.
لم تكن حجم الوثائق المُسرّبة هو ما أظهر أهمية القضية فحسب، بل الصدمة التي أحدثتها داخل الأجهزة الأمنية الأمريكية، إذ كان يُنظر إلى إسرائيل كحليف استثنائي لا يُتوقع منه شن عمليات تجسس واسعة النطاق ضد واشنطن.
اتهامات أخرى وتفاقم الشكوك
لم تتوقف الاتهامات بعد قضية بولارد. ففي عام 2004، ارتبط اسم مسؤول البنتاغون السابق لورنس فرانكلين بتمرير معلومات سرية حول إيران إلى جهات ضغط وإسرائيل. كما أثارت تقارير أمريكية لاحقة جدلاً حول زرع أجهزة تنصت إسرائيلية قرب البيت الأبيض خلال الولاية الأولى لترامب، وهو ما نفت تل أبيب وقوعه، لكنه عزز الشكوك داخل الأجهزة الأمريكية.
تبادل معلومات وتوازن هش
تظل العلاقة الاستخبارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من بين الأكثر عمقًا وتبادلاً للمعلومات على مستوى العالم. تعتمد أمريكا على إسرائيل في شؤون الشرق الأوسط، لا سيما ما يتعلق بإيران وسوريا ولبنان، بينما تستمد إسرائيل قدرًا كبيرًا من الدعم التقني والاستخباراتي من الولايات المتحدة. غير أن هذا التعاون لم يمنع وجود مساحة رمادية تمارس فيها كل دولة مراقبة على الأخرى.
ما يميز التقرير الحالي هو توقيته السياسي؛ فقد ظهرت التسريبات في ظل تباينات متزايدة بين إدارة ترامب وحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن التصعيد المحتمل مع إيران واللبنان. وهذا يثير مخاوف واشنطن من أن تل أبيب قد تسعى لتوجيه أو استباق القرار الأمريكي عبر جمع معلومات دقيقة عن المناقشات الداخلية في البيت الأبيض والبنتاغون.
وبالتالي، لا تُعدّ قصة “التجسس الإسرائيلي على إدارة ترامب” مجرد خبر أمني عابر، بل هي امتداد لسلسلة طويلة من التوترات الصامتة داخل التحالف الأمريكي‑الإسرائيلي، حيث يتحول الحليف أحيانًا إلى هدف مراقبة، وتظل الثقة الاستراتيجية في مرمى سؤال قديم داخل واشنطن: إلى أي مدى يمكن الاعتماد على إسرائيل عندما تتعارض المصالح؟



