الحوار الوطني في بريطانيا: مفتاح الصمود أمام التهديدات الهجينة؟

قبل أن يتمكن أي رئيس وزراء بريطاني مقبل من تنفيذ خطط طموحة لتعزيز القدرات العسكرية، يواجه تحدياً يتمثل في كسب تأييد الرأي العام.
ضرورة إطلاق حوار وطني لتوعية المجتمع
هذا الواقع يدفع إلى دعوات متزايدة لإطلاق ما يُسمّى “حوار وطني” يوضح للمواطنين طبيعة التهديدات الأمنية، ويبرز دورهم في تعزيز جاهزية البلاد، إلى جانب الخيارات الصعبة المرتبطة بزيادة الإنفاق الدفاعي. وقد صرح بذلك الباحث البريطاني روبين بوتر في تقرير أعده المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس).
خطة الاستثمار الدفاعي وإعلان حملة الحوار
يذكر بوتر أن وزير الدفاع كير ستارمر أصدر خطة الاستثمار الدفاعي التي طال انتظارها، والتي تحدد مسار الإنفاق العسكري للمملكة المتحدة قبيل قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) المقررة في السابع والثامن من هذا الشهر. وتتضمن الخطة التزاماً بإطلاق “حملة حوار وطني بشأن الدفاع والأمن”.
على الرغم من أن هذه المبادرة الخاصة بالحوارات الوطنية تم تبنيها بالفعل في مراجعة الاستراتيجية الدفاعية لعام 2025، فإن تنفيذها لم يتحقق بعد. فقد كان من المفترض أن يركز الحوار على مبررات زيادة الإنفاق الدفاعي، ودور الشعب في دعم الأمن الوطني، وتعزيز القدرة على الصمود ومواجهة المعلومات المضللة.
تحديات التهديدات الهجينة وضرورة الشفافية
تحذر أجهزة الاستخبارات من تصاعد عمليات التخريب الروسية، والاستطلاع العدائي، والهجمات السيبرانية، وحملات التضليل الإعلامي التي تستهدف المملكة المتحدة بصورة متزايدة، معتبرةً إياها “العدو رقم واحد” و”هدف سهل”. وتتمثل الخطوة الأولى لمواجهة هذه الهجمات في إطلاع رئيس الوزراء الجديد على طبيعة التهديدات، والعمل على بناء رد فعل مجتمعي تجاهها، وتعزيز الثقة والقبول.
يُظهر التزام حكومة ستارمر في عام 2025 العقيدة البريطانية وعقيدة الناتو، حيث تُؤكد الأخيرة أن الاتصالات الاستراتيجية تمثل “العنصر الاستباقي المحوري” في مواجهة التهديدات الهجينة. وقد يساهم رفع مستوى الوعي العام في تحفيز المجتمع المدني على التعرف على تلك التهديدات ومعالجة مكامن الضعف، مما يشكل وسيلة ردع عبر حرمانها من تحقيق أهدافها.
انخفاض الثقة العامة وتحديات الحوار
تواجه الحكومة البريطانية تحدياً استراتيجياً يتمثل في تراجع ثقة الجمهور بها. وفقاً لاستطلاعات رأي أُجريت في عام 2024، تُعد الحكومة البريطانية واحدة من أقل الحكومات التي تحظى بثقة مواطنيها بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ويمكن أن يكون إطلاق “حوار وطني” وسيلة مهمة لتعزيز هذه الثقة.
يؤكد بوتر أن منح الجمهور شعوراً بأنه جزء من حوار مع السلطات، وإشراكه في عملية صنع القرار، قد يسهم في بناء ثقة عامة طويلة الأمد. كما يمكن للاتصالات أن تعزز التماسك المجتمعي من خلال سرديات تستند إلى القيم وتروّج للوحدة المدنية.
السرية مقابل الشفافية في نقل المعلومات الأمنية
إن مشاركة مزيد من المعلومات المتعلقة بالأمن تتطلب أيضاً أن تثق الحكومة بالجمهور. وقد وُجهت انتقادات إلى الحكومة البريطانية باعتبارها تتبنى ثقافة “ستالينية” تتسم بالإفراط في السرية الرسمية، إما خوفاً من إثارة الذعر أو رغبةً في التحكم بالرواية.
إخفاء تفاصيل التهديدات قد ينعكس سلباً على ثقة الجمهور، خاصة إذا شعر البريطانيون بأن حكومات الحلف أو وسائل الإعلام المستقلة تقدم شفافية أكبر مقارنة بالمصادر الرسمية البريطانية.
دور الجمهور في تعزيز الصمود الوطني
إن إطلاق حوار وطني يوضح مستوى التهديد الذي تواجهه المملكة المتحدة سيساعد الحكومة على نيل تأييد الرأي العام لزيادة الإنفاق الدفاعي، وهو ما نصت عليه مراجعة الاستثمار الدفاعي. وتكتسب هذه الخطوة أهمية بالغة، نظراً لأن رفع الإنفاق العسكري يتطلب عادةً خفض الإنفاق في قطاعات أخرى أو رفع الضرائب أو زيادة الاقتراض، وهي خيارات قد لا تلقى رواجاً لدى الجمهور إذا لم تُبرر بوضوح.
تشير الدكتورة فيونا هيل، إحدى مشاركات مراجعة الاستراتيجية الدفاعية، إلى أن منظمات المساعدات المدنية تشعر حالياً بعدم وجود “ضوء أخضر” من الجهات العليا، وأن هناك “شعوراً بالجمود” في التخطيط لدعم الاستجابة للطوارئ. ولا يزال التوجيه السياسي محدوداً، إذ لا يوجد وزير واحد يتولى المسؤولية الكاملة عن هذا الملف.
مواجهة التضليل الإعلامي وتعزيز الثقافة الإعلامية
تؤكد المراجعة الاستراتيجية أن الحوار يجب أن يدعم الجهود الرامية إلى مواجهة التهديدات التي تستهدف سلامة المعلومات كعنصر أساسي للتماسك الوطني. فقد شهدت بريطانيا منذ عام 2024 شغباً عنيفاً كل صيف، غذته جزئياً معلومات مضللة انتشرت عبر منصات مثل “إكس” التابعة لإيلون ماسك و”فيسبوك” التابعة لشركة ميتا.
يقترح بوتر دعوة أوسع للجمهور للمشاركة في مبادرات تعزيز الثقافة الإعلامية، مثل تلك المتوفرة في المكتبات أو عبر الإنترنت، من خلال منظمات مدنية في فنلندا والسويد.
استراتيجيات شاملة لمواجهة التهديدات الهجينة
يشير الباحث إلى أن هناك محاولات حالية لزعزعة استقرار المجتمع البريطاني في “المنطقة الفاصلة بين السلم والحرب»، حيث تسعى الهجمات إلى استغلال نقاط الضعف عبر مختلف وظائف المجتمع. ويوصي المركز الأوروبي للتميز في مكافحة التهديدات الهجينة باتباع نهج شامل يضم الحكومة بأكملها، مستفيداً من القدرة المجتمعية على الصمود كإطار تنظيمي لتوحيد السياسات المتفرقة.
في دول الشمال الأوروبي، امتد هذا النهج ليشمل السياسات الاجتماعية والثقافية والدستورية، بينما ربط التحول الألماني المعروف باسم “تسايتنفينده” منذ عام 2022 بين الاستثمار في القوات المسلحة وتعزيز صمود البنية التحتية والتنمية الاقتصادية.
إشراك النخب السياسية والخبراء في صياغة الاستراتيجية
كثيراً ما تُوكَّل مهمة صياغة الاستراتيجية الأمنية إلى المستشارين والمسؤولين، ما قد يعني أن الوزراء الذين لم يشاركوا في إعداد مراجعة الاستراتيجية الدفاعية قد لا يدركون بالكامل المنطق والمفاهيم التي تستند إليها.
في ظل “الاضطراب الهيكلي الكبير” الذي تشهده المملكة المتحدة حالياً، لا يمكن للسياسيين الاعتماد على تفويض قضايا الدفاع والأمن للخبراء وحدهم. بل يتطلب الأمر استراتيجية كبرى تجمع بين النخب السياسية والخبراء لتوحيد مختلف محاور عمل الحكومة.
وبحسب بوتر، فإن أي رئيس وزراء جديد لن يكون قادراً على الفصل بين الشؤون الداخلية والخارجية، بل سيضطر إلى تقديم فهم مشترك للتهديدات لتعزيز الجهود على مستوى مؤسسات الدولة كافة.
توجيه الصلاحيات إلى المستويات المحلية
يُظهر التحليل أن تعزيز القدرة المجتمعية على الصمود يتجاوز ممارسات الاستعداد المدني التي سادت خلال الحرب الباردة، ويشمل قضايا الثقة في المؤسسات وسلامة المعلومات والتماسك الاجتماعي. ويُشير آندي بورنهام، المرشح المحتمل لرئاسة الوزراء، إلى أهمية نقل الصلاحيات إلى السلطات المحلية والإقليمية.
تشير تجربة أوكرانيا إلى أن اللامركزية تعزز القدرة المجتمعية على الصمود، حيث تكون المناطق المترابطة والقادرة على الاعتماد على نفسها أكثر قدرة على تعزيز التماسك ومقاومة محاولات زعزعة الاستقرار.
تتمتع السلطات المحلية في المملكة المتحدة بارتفاع مستويات الثقة مقارنة بالحكومة المركزية، وتشارك بالفعل في التخطيط لحالات الطوارئ، وغالباً ما تكون في الخطوط الأمامية للتعامل مع التهديدات التي تستهدف التماسك الاجتماعي. غير أن نقص الموارد وغياب سياسات بناء القدرة على الصمود في مواجهة التهديدات الحديثة يحدان من اتخاذ إجراءات أوسع.
ختاماً: شروط نجاح الحوار الوطني
يختتم بوتر تحليله بالتأكيد على أن نجاح الحوار الوطني يتطلب تسهيل التعاون مع المجتمع المدني وتحسين ثقة الجمهور في السلطات. وقد برهنت الإصلاحات التي نفذتها أوكرانيا أن اتخاذ القرار والتنفيذ على المستوى المحلي، مع وجود مساءلة واضحة، يشكل نموذجاً ناجحاً يمكن للمملكة المتحدة الاستفادة منه.



