الرئيسيةعربي و عالميواشنطن تبحث عن بديل للقوة العسكرية...
عربي و عالمي

واشنطن تبحث عن بديل للقوة العسكرية في الشرق الأوسط عبر الاستثمارات

يرى خبيران اقتصاديان أن الولايات المتحدة تحتاج إلى تبني نهج مغاير في تعاملها مع منطقة الشرق الأوسط، خاصة بعد انهيار اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران. ويشير التحليل الذي نشره كل من جيمس هارمون، رئيس مجلس إدارة «صندوق المشروعات المصري الأمريكي»، وكورنيليوس كوين، نائب الرئيس الأول في الصندوق، عبر مجلة «ناشونال انتريست» الأمريكية، إلى أن الصراع الذي استمر نحو أربعة أشهر وأدى إلى زعزعة استقرار المنطقة واضطراب أسواق الطاقة العالمية، كشف مجدداً عن حقيقة أن القوة العسكرية قد تحقق مكاسب قصيرة الأجل لكنها لا تضمن وحدها نجاحاً استراتيجياً دائماً.

نموذج استثماري بديل

ورداً على سؤال حول المسار التالي، يطرح هارمون وكوين فكرة تستند إلى قصة نجاح أمريكية هادئة في مصر، تقوم على الاستثمار بدلاً من التدخل العسكري. ويشير الخبيران إلى «الصندوق المصري الأمريكي للمشروعات»، الذي أسسه الكونجرس لدعم القطاع الخاص في مصر بعد ثورة 25 يناير عام 2011، والذي تحول إلى قصة نجاح غير متوقعة. فبالرغم من ثورتين وصدمات اقتصادية كلية متعددة، وصلت إلى حد إلغاء الصندوق تقريباً خلال فترة إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، تمكن هذا الكيان الاستثماري المدعوم من الحكومة الأمريكية من تحقيق إنجاز نادر في مجال المساعدات الخارجية، حيث كاد يضاعف قيمة أموال دافعي الضرائب الأمريكيين في دولة خسرت عملتها المحلية أكثر من 80% من قيمتها منذ عام 2016.

الاعتماد على المواهب المصرية

وكان الاقتصاد المصري يعاني أزمة حادة بعد عام 2011، حيث تراجعت الاستثمارات الأجنبية وانهارت السياحة وتصاعدت المشاعر المعادية للولايات المتحدة. ولمواجهة هذا الواقع، اتخذ القائمون على الصندوق قراراً مبكراً بعدم الاعتماد على خبراء أمريكيين لإدارة الاستثمارات، بل على شركاء مصريين. ففي عام 2014، بدأ الصندوق التعاون مع شركة «لوراكس كابيتال بارتنرز»، وهي شركة مصرية حديثة العهد آنذاك في مجال الاستثمار المباشر، وساهمت في وضع استراتيجية الاستثمار الأولى للصندوق. وفي عام 2015، ساعدت الشركة في تنفيذ أول استثمار في شركة «فوري»، أكبر منصة للمدفوعات الرقمية في مصر، التي تقدم اليوم خدمات الدفع الإلكتروني لنحو 55 مليون مصري، أي نحو نصف سكان البلاد.

وقد حقق هذا الاستثمار، من الناحية المالية، أكثر من 93 مليون دولار عائدات لدافعي الضرائب الأمريكيين، أي نحو خمسة أمثال قيمة الاستثمار الأصلي، مع احتفاظ الصندوق بحصة في الشركة حتى الآن. كما استثمر الصندوق في إحدى أكبر منصات التمويل الاستهلاكي في مصر، التي وفرت التمويل لمئات الآلاف من المواطنين الذين لم تكن لديهم إمكانية الوصول إلى الخدمات المالية الأساسية. وحققت الشركتان معاً أكثر من 150 مليون دولار من العوائد لدافعي الضرائب الأمريكيين، في إطار استراتيجية تستهدف الاستثمار في شركات واعدة قادرة على الوصول إلى ملايين العملاء وتحقيق النمو رغم التقلبات الاقتصادية.

إنجازات أوسع وخطط مستقبلية

ويعد «الصندوق المصري الأمريكي للمشروعات» حالياً أحد أكبر المستثمرين المدعومين من الولايات المتحدة في مصر، حيث يعمل مع سبعة مديرين مصريين لصناديق الاستثمار المباشر، ويدعم نحو 70 ألف فرصة عمل، وتقدر القيمة السوقية لأصوله بأكثر من 500 مليون دولار، أي ما يقرب من ضعف التمويل الذي تلقاه من الكونجرس الأمريكي والبالغ 300 مليون دولار. ويرى هارمون وكوين أن الدروس المستفادة من هذه التجربة تؤكد أن دعم تنمية القطاع الخاص في الدول ذات الأهمية الاستراتيجية يمكن أن يخدم المصالح الأمريكية ويحقق عائدات لدافعي الضرائب، وأن هذا النموذج يمكن تكراره في دول أخرى إذا نجح في مصر رغم تكرار خفض قيمة العملة وعدم الاستقرار الإقليمي.

وبدأت الإدارة الأمريكية بالفعل الالتفات إلى هذا النموذج، إذ يتضمن مشروع موازنة السنة المالية 2027 والطلب التكميلي الجديد منح سلطات واسعة للكونجرس لإنشاء صناديق مشروعات جديدة. ومن شأن النجاح في تنفيذ هذه الخطوة أن يمنح واشنطن أداة فعالة للدبلوماسية الاقتصادية، أما إذا أسيء استخدامها فقد تتحول إلى برنامج مساعدات مسيّس يفقد النموذج الاستثماري نجاحه. ويؤكد هارمون وكوين أن الإدارة الرشيدة هي بداية النجاح، إذ ينبغي أن تتمتع صناديق المشروعات بمجالس إدارة مستقلة تضم خبراء استثمار من الولايات المتحدة والدولة المضيفة، يمتلكون الخبرة اللازمة لحماية أموال دافعي الضرائب وتعظيم العوائد. كما أن الاعتماد على الشركاء المحليين لا يقل أهمية، فخبراء الاستثمار الموجودون على الأرض هم الأقدر على فهم الأسواق الناشئة وتوظيف رأس المال بكفاءة.

ويسهم الاستثمار المباشر في مواءمة الحوافز، إذ ترتبط مكافآت مديري الصناديق بأداء الاستثمارات، مما يشجعهم على اختيار الشركات الواعدة ومساعدتها على النمو، وهو ما يؤدي إلى شركات أقوى وعوائد أفضل وتعزيز العلاقات التجارية بين المستثمرين المحليين والولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، تبقى الضوابط المؤسسية عنصراً جوهرياً، حيث إن القواعد الصارمة لتجنب تضارب المصالح ومتطلبات الإفصاح وإطلاع الكونجرس على الأداء تسهم في حماية أموال دافعي الضرائب دون الحد من مرونة نموذج صناديق المشروعات. ويعود نجاح هذه الصناديق إلى قدرتها على دعم أهداف السياسة الخارجية الأمريكية مع العمل بسرعة وانضباط على غرار القطاع الخاص.

وفي ختام التحليل، يؤكد هارمون وكوين أنه في الوقت الذي تتزايد فيه التساؤلات حول تكلفة الاعتماد على القوة العسكرية الأمريكية، تطرح صناديق المشروعات نموذجاً استثمارياً يوسع أدوات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فهذه الصناديق التي يقودها القطاع الخاص قادرة على تعزيز المصالح الاستراتيجية الأمريكية من خلال بناء شراكات طويلة الأجل قائمة على المصالح الاقتصادية المشتركة، مع تحقيق أرباح في الوقت نفسه. وإذا ما تمت إدارة هذه الصناديق بكفاءة، يمكن أن تصبح إحدى الركائز الأساسية للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط وخارجه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *