أمن كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة: أكبر تحدٍ أمني يواجه البلاد

تُعَدُّ بطولة كأس العالم 2026 ليست مجرد لقاء رياضي، بل تشكّل اختباراً أمنيّاً غير مسبوق للولايات المتحدة. منذ انطلاق صافرة البداية، تحولت المدن المستضيفة إلى حصون رقمية وميدانية، يَسعى فيها القائمون على الأمن إلى منع تحول الفرح العالمي إلى كابوس لا يُحتمل. وفقاً لتقديرات ميدانية، يُتوقع توظيف ما يقرب من مئة ألف عنصر أمني لضمان سير الفعاليات بسلاسة.
حجم الحدث وتوزيع المباريات
من المتوقع أن يتوافد إلى الأراضي الأمريكية نحو ستة ملايين مشجع لحضور فعاليات البطولة، حيث ستستضيف الولايات المتحدة ثمانية وسبعين مباراةً في أحد عشر مدينةً مختلفة، إلى جانب عدد لا يُحصى من مراكز المشجعين والأنشطة المرافقة المنتشرة في جميع أنحاء البلاد.
الإستراتيجية الأمنية والجهات المتدخلة
يعكس هذا الحجم الضخم عبئاً كبيراً على كل من قوات إنفاذ القانون المحلية والفيدرالية، التي أوضح وزير الأمن الداخلي مارك واين مولين أن مهمتها “لا تقبل الفشل”. تُعنى هذه الجهات بمواجهة تهديدات متصاعدة تنبع من تطور الطائرات المسيرة (الدرونز) والذكاء الاصطناعي، فضلاً عن خطر هجمات “الذئاب المنفردة” التي شهدت تجلياتها في هجمات حديثة داخل البلاد.
أكد أندرو جولياني، رئيس فريق عمل البيت الأبيض المختص بالبطولة، أن لا تهديد معروف يحدِّد استهداف المباريات في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن البطولة تُعدّ “أكبر حدث رياضي استضافه العالم على الإطلاق”.
من الناحية التنظيمية، تتولى وزارة الأمن الداخلي ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) قيادة الجهود الأمنية في المدن المستضيفة، حيث تنسق وزارة الأمن الداخلي شبكة واسعة من وكالات إنفاذ القانون لضمان التغطية الشاملة.
الطائرات المسيرة والتدريب المتخصص
تُعَدُّ مسألة الطائرات المسيرة مصدر قلق رئيسي، إذ يمكن تعديلها بسهولة لتصبح حاملة شحنات قاتلة. في قاعدة “ريدستون أرسنال” العسكرية بألاباما، قام مكتب التحقيقات الفيدرالي بتدريب ستين ضابطاً من مدن مختلفة عبر برنامج مخصص لمكافحة الدرونز، بهدف تعليمهم طرق التعرف على هذه الطائرات وتعطيلها.
تستمر الجهود التدريبية في مركز قيادة متنقل بهنتسفيل، ألاباما، حيث يخضع ضباط من جميع أنحاء الولايات المتحدة لتدريبات مكثفة تحت إشراف فيدرالي، تركز على تحييد التهديدات التي لا تستطيع التقنيات التقليدية مواجهتها، مثل الدرونز التي تعمل عبر الألياف البصرية لتفادي التشويش اللاسلكي.
صرّح مايكل تورفي، مساعد رئيس قسم مجموعة الاستجابة للحوادث الحرجة، خلال عرض تجريبي بأن “الوضع الأمني غير مرئي إلى حد كبير للجمهور”، مضيفاً أن مكتب التحقيقات الفيدرالي “حَمى كل مباراة سوبر بول منذ عام 2019” من اختراقات الدرونز، وأنه سيتبع نفس النهج مع كأس العالم.
التمويل والجهات المحلية
يعتمد نجاح العملية الأمنية على نموذج يبدأ من القاعدة ويصل إلى القمة، حيث تتولى الشرطة المحلية معظم الأعمال الميدانية، وتُكملها الجهات الفيدرالية لسد الثغرات. وعلى الرغم من عدم الإعلان عن ميزانية موحدة، فإن مؤشرات ميدانية تُظهر حجم الإنفاق، فمثلاً خصصت شرطة نيويورك 6.5 مليون دولار لشراء معدات مكافحة الدرونز.
يبقى خطر “الذئب المنفرد” يمثل القلق الأكبر، نظراً لقدرة هؤلاء الفاعلين على التخطيط لهجمات دون رصد مسبق. لذا تُكلف الشرطة المحلية بأصعب المهام الميدانية، مدعومةً بتنسيق يضم أكثر من أربعين وكالة فيدرالية، إلى جانب مراكز قيادة تعمل على مدار الساعة طوال فترة البطولة التي تمتد لأربعين يوماً، وتستند إلى شبكة مراقبة ذكية تربط آلاف الكاميرات في المدن الـ11 المستضيفة.
القلق من سلوك الجماهير والتهديدات الرقمية
إلى جانب مخاطر الدرونز والإرهاب، يثير سلوك المشجعين مخاوف بين المسؤولين، خاصة بعد حوادث عنف شهدتها مباراة ثالثة من نهائي الـNBA في نيويورك. حذّرت النشرات الأمنية من احتمالية ارتفاع النشاط الإرهابي، والعنف المستهدف، وحوادث الإصابات الجماعية، إلى جانب الجرائم العابرة للحدود والهجمات السيبرانية، مستندةً إلى خطاب مكثف من منظمات إرهابية وتصاعد التوترات الجيوسياسية.
كما أعرب المسؤولون عن قلقهم من انتشار الفيديوهات المزيفة التي يُمكن للذكاء الاصطناعي توليدها لتثبيت الذعر بين الجماهير.
المشهد الأمني في المكسيك المستضيف للجزء الثاني
بعيداً عن الولايات المتحدة، تستضيف المكسيك خمس مباريات في ثلاث مدن، من بينها مكسيكو سيتي، حيث يتواجد ما يقرب من مئة ألف عنصر أمني. وعلى الرغم من مواجهتها لعصابات قوية وجرائم شوارع، أشار الباحث فيفكتوريانو سانشيز فالديس من جامعة كواهويلا المستقلة إلى أن المكسيك تتمتع بأعلى كثافة شرطية للفرد وكاميرات مراقبة، ما يخلق ملفاً إجرامياً مختلفاً مقارنةً بالبلدان المجاورة.



