الرئيسيةعربي و عالميهل تمثل الشركات الاستشارية الحديثة نسخاً...
عربي و عالمي

هل تمثل الشركات الاستشارية الحديثة نسخاً معاصرة لظاهرة "الفناريين" التاريخية؟

16/06/2026 07:01

يُعَدّ التاريخ سجلًّا يجمع تجارب الشعوب وانتصاراتها وإخفاقاتها، وهو ما عكسه المؤرخ ابن خلدون بقوله إنّ “الماضي أشبه بالمستقبل من قطرة ماء بقطرة ماء”. وأبدى الروائي مارك توين رأيه في مسألة مماثلة حين أشار إلى أن “التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه كثيرًا ما يتشابه في القافية”. بذلك يتضح أن التاريخ لا يُعاد بنفس الأشخاص أو الظروف، بل يُعيد تكوين أنماط وسيناريوهات متقاربة بأسماء وأزمان مختلفة.

النفوذ الخارجي عبر العصور

إن دراسة الماضي لا تقتصر على سرد الأحداث، بل تهدف إلى كشف الدورات المتكررة التي تؤثّر في صعود الدول وهبوطها. ومن بين الظواهر المتكررة عبر العصور كان تدخّل جهات خارجية داخل مؤسسات الدولة، سواء عبر أفراد أو جماعات أو مستشارين أو نخب إدارية واقتصادية، ما ترك آثارًا سياسية ومؤسسية بعيدة المدى.

في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، برزت فئة من النخب اليونانية المسيحية عُرِفَت باسم “الفناريين” نسبة إلى حي الفنار في القسطنطينية. شغلت هذه النخبة مناصبًا إدارية ودبلوماسية حساسة داخل الدولة العثمانية، من الترجمة إلى الولاة في الإمارات الدانوبية. وعلى الرغم من مساهمتها في نقل خبرات إدارية ودبلوماسية، فإن توسّع نفوذها أثار استياء واسع بين شرائح المجتمع والنخب المحلية، حيث وُصفت بالمحسوبية والفساد والارتباط بمصالح خارجية.

مع تصاعد الحركات القومية، تحوّل نفوذ الفناريين إلى رمز لضعف الدولة العثمانية وتراجع قدرتها على إدارة شؤونها الداخلية، ما ساهم في تصاعد التوترات السياسية والقومية، وأفضى إلى الثورة اليونانية عام 1821 وتفكك النفوذ العثماني في البلقان تدريجيًا.

نماذج تاريخية أخرى للنفوذ غير المحلي

تظهر ظاهرة الاعتماد المتزايد على عناصر غير منتمية للنخبة التقليدية في عدة حضارات. ففي القرنين الرابع والخامس، ومع تراجع الإمبراطورية الرومانية، تولّى قادة جرمان وغيرهم من “البرابرة” مناصبًا سياسية وإدارية هامة، شملت إدارة المقاطعات والوصاية على الأباطرة. أثّر هذا التحول في تآكل ثقة النخب الرومانية بالمؤسسات، وشعور متزايد بفقدان الهوية السياسية للمدينة. تجسّدت هذه الظاهرة في شخصيات مثل ريكيمر الذي كان له دور محوري في تعيين وعزل الأباطرة، وأودواكر الذي أنهى حكم الإمبراطور رومولوس أوغستولوس عام 476 م.

في الصين خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، تجلّى النفوذ الخارجي بصورة اقتصادية وإدارية أكثر من كونه سياسيًا مباشرًا. فرضت القوى الغربية والشرقية معاهدات غير متكافئة منحت الأجانب سيطرة واسعة على قطاعات استراتيجية كالجمارك والسكك الحديدية والتجارة الدولية، ما أضعف السيادة المالية للإمبراطورية وأضعف شرعية النظام في أعين أجزاء كبيرة من المجتمع. ساهمت هذه التدخلات، إلى جانب فشل الإصلاحات وتصاعد المشاعر القومية، في تمهيد الطريق لثورة شينهاي عام 1911 وسقوط سلالة تشينغ.

الشركات الاستشارية كنسخة معاصرة؟

عند مقارنة هذه النماذج، يتضح أن العامل المشترك ليس وجود الأجانب بحد ذاته، بل اعتماد الدول بصورة مفرطة على قوى أو نخب خارجية في إدارة شؤونها. فقد كشفت هذه التدخلات عن مشكلات أعمق، مثل ضعف المؤسسات وتراجع كفاءة النخب المحلية وغياب المساءلة، ما جعلها في كثير من الأحيان تُعَجِّل الأزمات بدلاً من أن تكون السبب الوحيد فيها.

في ظل هذا الإطار، يطرح السؤال ما إذا كانت الشركات الاستشارية العالمية تمثل النسخة الحديثة من هذه الظاهرة. لا يمكن إنكار الفوائد التي تقدمها هذه الشركات في نقل الخبرات وبناء القدرات وتطوير السياسات العامة، إذ تُعَدّ الاستفادة من الخبرات الدولية ممارسة شائعة بين الدول المتقدمة والناشئة على حد سواء.

تظهر الإشكالية عندما تتحول بعض هذه الشركات من مجرد مقدمي رأي فني إلى فاعلين مؤثرين في تشكيل شبكات النفوذ وصناعة القرارات، بل وتدخلها غير المباشر في التعيينات والمسارات المهنية داخل المؤسسات. لا يمكن افتراض أن جميع الشركات تعمل فقط وفقًا للعقود التجارية؛ فمثل أي مؤسسة عابرة للحدود، قد تتبنى أجندات خفية ومصالح مؤسسية طويلة الأمد، وتُنشئ شبكات نفوذ وأولويات استراتيجية تدفعها لتوسيع تأثيرها إلى ما يتجاوز مهمتها الرسمية.

أنماط سلوك متكررة في المنطقة

من خلال تجارب متعددة في المنطقة، يمكن رصد ثلاثة أنماط سائدة لدى بعض الشركات الاستشارية الأجنبية:

النمط الأول يتضمن الاعتماد على كوادر ذات خبرة أو كفاءة محدودة لإدارة مشاريع استراتيجية ضخمة، حيث يُلاحظ أحيانًا فجوة واضحة بين مستوى الكفاءات في المقرات الرئيسية وفريق العمل المرسل إلى المنطقة.

النمط الثاني يشمل مستشارين يملكون خبرات، لكنهم يُوظفون في “هندسة العلاقات وتأمين النفوذ”. تُظهر الظاهرة أن بعض الموظفين المحليين يطيعون المستشار الأجنبي أكثر من رؤسائهم المباشرين، مدفوعين بالاعتقاد أن هذا المستشار هو بوابتهم للترقية والرواتب الأعلى. يتحول الموظف إلى أداة في مشروع أوسع يهدف إلى تعيين “الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب” لضمان استمرار تدفق العقود الضخمة لتلك الشركات.

النمط الثالث يتجسد في ما يُسمّى “التوطين” أو صُنع الـ Yes Man، حيث تُوظف الشركات أبناء المنطقة كواجهة محلية، لكنها لا تطلب منهم عمقًا معرفيًا بل تقبل «الامتثال» فقط. يستفيد الشاب المحلي من اسم الشركة كقوة دفع للترقي الوظيفي، وتستفيد الشركة من ولائه لتمرير خططها دون معارضة علمية.

هذا الطرح لا يعني رفض الاستفادة من الخبرات الأجنبية أو التعاون الدولي. فبالنسبة للكاتب، فقد أمضى عقودًا عمل في دول ومؤسسات دولية، وشهد القيمة الكبيرة التي يمكن أن يضيفها خبير حقيقي عندما يُوظَّف في السياق المناسب لحل مشكلة محددة. إلا أن هناك فرقًا جوهريًا بين الاستعانة بخبير متخصص وبين بناء شبكات نفوذ تتجاوز الدور الاستشاري لتؤثر في القرارات والتعيينات وتوجيه السياسات.

ختامًا: هل نعيش نسخة حديثة من الفناريين؟

حصلت بعض الشركات الاستشارية على عقود بمليارات الدولارات في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، إلا أن رصد أثر تنموي أو مؤسسي يتناسب مع حجم هذه العقود يبقى صعبًا. كثير من المشاريع التي أشرفت عليها انتهت بنتائج دون التوقعات أو بفشل تشغيلي واضح، رغم الإنفاق الضخم.

من هنا يبرز السؤال المشروع: هل نشهد اليوم نسخة محدثة من ظاهرة “الفناريين” التي عرفت في التاريخ؟ ربما يبدو التشبيه قاسيًا، لكن التفكير فيه يستحق الوقوف. فقد كان الفناريون، رغم الجدل حول دورهم، يتمتعون بقدرات إدارية ودبلوماسية عالية. أما بعض الشركات الاستشارية، فبعض مستشاريها لا يجمعون بين الكفاءة والواقعية العملية، بل يقدّمون نماذج نظرية بعيدة عن الواقع المحلي، ويقودون مبادرات تفتقر إلى الفهم العميق للبيئة التي يعملون فيها.

الخلاصة أن الانفتاح على الخبرات العالمية لا يعني التخلي عن السيادة الوطنية. فالفرق بين الاستفادة من “خبير أو مبدع” لسد فجوة محددة، وبين تسليم مفاتيح التخطيط المستقبلي لشبكات مصالح أجنبية متشابكة الأجندات، هو الفارق الحقيقي. إن قراءة التاريخ بعين فاحصة قد تقيِّن الحاضر من الوقوع في دوائر متكررة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *