الرئيسيةعربي و عالمي«الباب الدواري» يتجسد في داونينغ ستريت:...
عربي و عالمي

«الباب الدواري» يتجسد في داونينغ ستريت: معضلة الاستقرار في حكومات بريطانيا المتعاقبة

22/06/2026 15:00

أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر استقالته في صباح يوم الاثنين، ما وضع المملكة المتحدة رسمياً في مرحلة ما أشار إليه المحللون باسم «الباب الدواري» على عتبة السلطة. بهذا القرار يصبح ستارمر السادس من القادة الذين يتركون مقعدهم في قصر 10 داونينغ ستريت خلال فترة لا تتجاوز العقد، في انتظار تولي سابع رئيس وزراء مهام الحكومة في فترة زمنية قصيرة، وفق ما نقلته شبكة إن بي سي نيوز وصحيفة واشنطن بوست.

لماذا يعلو سؤال الاستقرار؟

يتصاعد التساؤل حول سبب عجز النظام البرلماني البريطاني، الذي لطالما اعتُبر مثالاً على الاستقرار، عن إنتاج قيادة ذات برنامج واضح وقوة تنفيذية. يلاحظ المحللون أن العطل لا يكمن في هياكل الدولة أو في قدرة مؤسساتها على أداء مهامها، بل في نقص القيادة التي تستطيع توحيد المشروع السياسي مع الجهاز الإداري وتتحلى بالجرأة على اتخاذ قرارات صعبة وتقديم رؤية مستقبلية واضحة.

تحليل المعهد والمؤرخ

استند الباحثون في معهد الحكومة البريطاني إلى أن المملكة المتحدة لا تزال تملك المؤسسات والقواعد والثقافة اللازمة للنجاح، وأن ما يفتقر إليه المشهد السياسي مؤخراً هو زعامة تمتلك القدرة على مواءمة السياسات مع الإدارة العامة. يضيف المؤرخ أنتوني سيلدون، مؤلف سيرة ثمانية رؤساء وزراء بريطانيين، في حديثه مع شبكة سي إن إن أن الفشل يعود إلى الأفراد وليس إلى النظام ذاته، مشيراً إلى أن بوريس جونسون كان «روزفلتياً» في طموحه دون أن يحقق إنجازات ملموسة، بينما ليز تراس اتّسمت بجرأة «ريغانية» في تبني أيديولوجية السوق الحر.

سلسلة الاستقالات بعد استفتاء 2016

منذ استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016، تعاقب على رئاسة الحكومة ديفيد كاميرون، تيريزا ماي، بوريس جونسون، ليز تراس، ريشي سوناك، ثم كير ستارمر. وتظهر هذه السلسلة نمطاً واضحاً: لا يُسقط رئيس الوزراء عبر انقلاب دستوري أو ثورة شعبية، بل عندما يفقد الدعم البرلماني. في نظام برلماني، يبقى الزعيم في السلطة مادام قادرًا على الحفاظ على أغلبية مجلس العموم؛ وإذا ارتفعت أصوات النواب ضد سياساته أو خافوا على مقاعدهم، يستطيعون دفعه إلى الاستقالة دون الحاجة إلى انتخابات عامة فورية.

آثار البريكست المتواصلة

لم يحل استفتاء 2016 الخلاف، بل نقله إلى صميم الدولة. فقد انتهى مشوار كاميرون عقب خسارته في الاستفتاء، وعجزت ماي عن إقرار صياغتها للانسحاب، ثم تولى جونسون شعار «إنجاز بريكست» ليورث حزبًا ومجتمعًا أكثر انقسامًا. سيحتفل البريطانيون يوم الثلاثاء بالذكرى العاشرة للتصويت على مغادرة الاتحاد، وهو ما لا يزال يخلق حالة من الضبابية في الاقتصاد والسياسة، بحسب تقرير إن بي آر. وتشير تحليلات اقتصادية إلى أن الخروج قد خفض الناتج المحلي للفرد بنحو 8٪، وفق ما نقلته سي إن إن.

تجلى هذا الانقسام في سلوك الحزب الحاكم تجاه زعمائه؛ فبعد أن كان يمنحهم مهلة أطول، أصبح النواب يتصرفون بسرعة عندما يروهن يهددون مستقبلهم. وقد تجسد ذلك في أزمة يوليو 2022، حيث تحولت سلسلة الاستقالات الوزارية تحت جونسون إلى طوفان، إذ تجاوز عدد المستقيلين من المناصب الحكومية والحزبية الخمسين في يومين فقط، مما جعل استمراره غير ممكن، وفق ما وثقته شبكة سي إن إن ومجلة تايم.

أما حالة ليز تراس، فلم تسقط عبر تصويت انتخابي، بل بسبب خطة اقتصادية تضمنت خفضًا ضريبيًا غير مموّل صدمت الأسواق، رفعَت كلفة الاقتراض، وكادت أن تدفع الأسواق المالية إلى الانهيار. رفض بنك إنجلترا إنقاذها، فأطاح بها حزبها لتصبح أقصر حكام بريطانيا في التاريخ بمدة 44 يومًا فقط، بحسب سي إن إن. يتضح من ذلك أن رئيس الوزراء يحتاج إلى تأييد الأغلبية البرلمانية، إلى طمأنينة الأسواق، وإلى ثقة الناخبين والمؤسسات؛ إذا تزعزعت أي من هذه الأعمدة، ينهار موقعه سريعًا.

التحديات الاقتصادية التي تواجه الوزراء الجدد

يتولى القائمون على داونينغ ستريت وعودًا بإصلاح نظام الصحة، ضبط الهجرة، خفض الضرائب، ورفع الأجور، إلا أن الواقع يفرض عليهم مواجهة نمو ضعيف، تضخم متصاعد، وديون متراكمة. لا تزال آثار أزمة 2008 المالية تشكل عبئًا، فالأجور الحقيقية لا تزال راكدة، بينما تُصنّف سندات الحكومة البريطانية على أنها الأعلى عائدًا بين دول مجموعة السبع، مما يُظهر ثقل الدين. وقد شعر ستارمر بنفسه بضغط هذا الإرث، إذ لم يتمكن من تحقيق النمو الموعود ولا من إصلاح الخدمات العامة ولا من تخفيف عبء المعيشة، وفق ما أفصله إن بي آر.

ما كان يستغرق شهورًا ليصبح تمردًا داخليًا اليوم قد يتحول إلى أزمة نتيجة خطأ أو فضيحة أو نتيجة استطلاع سيئ أو نتيجة انتخابات محلية ضعيفة. السياسة البريطانية أصبحت تُعاش على إيقاع يومي لا يتيح للحكومات فرصة لبناء سردية طويلة الأمد، مع تأثير واضح لوسائل التواصل الاجتماعي في تسريع وتيرة الأحداث.

صعود قوى جديدة وتحديات داخلية

في خضم هذه الفوضى، دخلت الساحة السياسية قوى ذات توجهات مختلفة شتّت ولاءات الناخبين بين الأحزاب التقليدية. لم تعد المنافسة محصورة بين المحافظين والعمال؛ بل صاعدت أحزاب مثل «ريفورم يو كيه» بقيادة نايجل فاراج.

فيما يتعلق بستارمر، تصاعدت الدعوات إلى رحيله منذ مايو الماضي، عندما سجّل حزب العمال هزيمة تاريخية في الانتخابات المحلية والإقليمية، خسر أكثر من ألف مقعد في المجالس المحلية، وهو ما فُسِّر كرفض شعبي لأدائه. وقد توجت هذه السلسلة بعودة أندي برنهام، عمدة مانشستر الكبرى السابق، إلى البرلمان عبر انتخابات فرعية، ليصبح المرشح الأوفر حظًا لتولي المنصب خلف ستارمر.

في الختام، يتضح أن المعضلة التي تواجه بريطانيا ليست أزمة دستورية، بل أزمة في القدرة على الحكم. فالدستور العرفي يعمل، والبرلمان قائم، والأحزاب فاعلة، لكن المجتمع منقسم، والاقتصاد يضع ضغطًا مستمرًا، والأحزاب تخشى المخاطرة، والزعيم يُستهلك بسرعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *