ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء في الولايات المتحدة يضغط على المستهلكين وسط انخفاض أعداد الماشية

تشهد الولايات المتحدة الأمريكية ارتفاعاً حاداً في أسعار اللحوم الحمراء، مدفوعاً بزيادة الإقبال على الأنظمة الغذائية الغنية بالبروتين، في وقت تعاني فيه البلاد من انخفاض أعداد الأبقار والعجول إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، ما يزيد من حدة نقص المعروض ويثقل كاهل المستهلكين مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة.
ارتفاع الأسعار وتفاصيلها
وافقت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي على أن متوسط سعر اللحم البقري المفروم وصل إلى مستوى قياسي بلغ 6.90 دولارات للرطل، حيث يساوي الرطل 0.454 كيلوغرام. كما ارتفعت أسعار لحوم الأبقار والعجول بنحو 15 % مقارنة بالعام السابق، وهو معدل يفوق بكثير معدل التضخم العام في الاقتصاد الأمريكي.
إنفاق المستهلكين رغم تراجع الكميات
أظهرت شركة الأبحاث السوقية NIQ أن الأمريكيين أنفقوا نحو 42.4 مليار دولار على لحوم الأبقار خلال الاثني عشر شهراً الماضية، رغم انخفاض الكميات المشتراة. ويعكس ذلك استمرار الطلب القوي على اللحوم الحمراء رغم ارتفاع الأسعار.
العوامل الداعمة للطلب
يعزو هذا الطلب المتواصل إلى انتشار ثقافة الأنظمة الغذائية الغنية بالبروتين داخل الولايات المتحدة، سواء بين الرياضيين أو المؤثرين الصحيين أو المستهلكين الباحثين عن بدائل للأطعمة المصنعة. وقد صرّحت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، برئاسة روبرت إف. كينيدي جونيور، أن اللحوم الحمراء تحتل صدارة الإرشادات الغذائية الجديدة.
وبحسب استطلاع أجرته مجموعة FMI بالتعاون مع معهد اللحوم الأمريكي، يرى 77 % من المستهلكين أن اللحوم والدواجن جزء من نظام غذائي صحي، بينما يسعى 45 % من المتسوقين إلى زيادة عدد الوجبات التي تعتمد على اللحوم. في الوقت نفسه، تراجعت جاذبية بدائل اللحوم النباتية مثل شركة بيوند ميت وشركة إمبوسيبل فودز.
انخفاض أعداد الماشية وأسبابه
في الوقت نفسه، تواجه الولايات المتحدة أزمة حقيقية في أعداد الماشية؛ إذ بلغ عدد الأبقار والعجول مطلع العام الجاري نحو 86.2 مليون رأس فقط، وفق بيانات وزارة الزراعة الأمريكية، وهو رقم يقترب من أدنى مستوياته منذ عقود. ويرى الخبراء أن هذا التراجع ناتج عن سلسلة من العوامل المتراكمة، تشمل سنوات انخفاض أسعار الماشية خلال العقد الماضي، وموجات الجفاف التي أثرت على المراعي، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الأعلاف والفائدة وتكاليف التشغيل، فضلاً عن تقدم أعمار مربي الماشية واقتراب كثير منهم من سن التقاعد.
ويؤكد المختصون أن إعادة بناء القطيع الأمريكي سيتطلب سنوات طويلة نظراً للطبيعة البيولوجية البطيئة لتربية الأبقار. وقال ديفيد أندرسون، الخبير الاقتصادي في جامعة تكساس A&M، إن العجول المولودة هذا العام قد لا تصل إلى إنتاج فعلي من اللحوم قبل عام 2030، مضيفاً أن “الدورة البيولوجية لهذا القطاع طويلة للغاية ولا يمكن تسريعها بسهولة”.
وفي ظل الأسعار المرتفعة، يفضل العديد من المربين بيع الأبقار للذبح والاستفادة من الأسعار القياسية بدلاً من الاحتفاظ بها لتوسيع القطعان مستقبلاً. وقال ريتش نيلسون، محلل أسواق الثروة الحيوانية في شركة Allendale، إن متوسط عمر منتجي اللحوم في الولايات المتحدة يبلغ نحو 63 عاماً، مشيراً إلى أن كثيراً منهم يستعدون للتقاعد ولا يرغبون في الدخول في استثمارات طويلة الأجل.
كما يواجه القطاع صعوبة في جذب أجيال جديدة من المربين بسبب ارتفاع تكاليف الدخول إلى السوق وطول فترة استرداد الاستثمارات مقارنة بوظائف أخرى أقل مخاطرة.
تأثير الارتفاع على الأسعار المحلية
في ولاية أيوا، أفادت أماندا سيفرسون، مربية ماشية تدير شركة “Grand View Beef”، أن سعر العجل بوزن 500 رطل ارتفع من نحو ألف دولار في عام 2017 إلى ما بين 2200 و2500 دولار حالياً. وقد دفعت هذه الزيادة شركتها إلى رفع أسعار منتجاتها خلال مايو الجاري، حيث ارتفع سعر اللحم المفروم من 12 إلى 14 دولاراً للرطل، ولحم اليخنة من 14 إلى 16 دولاراً، بينما صعد سعر شريحة السيرليون من 24 إلى 28 دولاراً للرطل.
وبالرغم من هذه الزيادات، لا يزال الطلب الأمريكي على اللحوم الحمراء قويًا. وتشير بيانات NIQ إلى أن المستهلكين بدأوا في تعديل سلوكهم الشرائي عبر شراء عبوات أكبر أو اختيار قطع أقل سعراً أو خلط اللحوم مع الأرز والمعكرونة والفاصوليا لتقليل التكلفة، دون التخلي الكامل عن استهلاك اللحم البقري.
وقال دون كلوز، المحلل في شركة Terrain Ag، إن المستهلكين “قد ينتقلون إلى أنواع أقل سعراً من اللحوم، لكنهم لا يغادرون سوق اللحم البقري بالكامل”. ووصف ريكي فولب، أستاذ الأعمال الزراعية في جامعة كاليفورنيا التقنية، المشترين الحاليين للحوم بأنهم “موالون للحوم الأبقار”.
محاولات الحكومة لتخفيف الأزمة
سعت إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى دراسة تعليق الرسوم الجمركية على واردات اللحوم لزيادة المعروض، إلا أن الخطة واجهت اعتراضات من مربي الماشية وبعض الجمهوريين، ما أدى إلى تجميدها مؤقتاً. وتعمل الإدارة كذلك على توسيع برامج التمويل والقروض للمزارعين وتقليل بعض القيود المرتبطة بحماية الذئاب التي يعتبرها المربون تهديداً لقطعانهم.
لكن الخبراء يحذرون من أن هذه الإجراءات لن تكون كافية لتغيير الوضع بسرعة، في ظل استمرار الفجوة بين المعروض والطلب. ويؤكدون أن سوق اللحوم الأمريكية قد يبقى تحت ضغط لسنوات مقبلة مع استمرار ارتفاع الطلب على البروتين وصعوبة توسيع إنتاج الماشية بوتيرة سريعة.



